السيد محمد حسين فضل الله
29
من وحي القرآن
تحت العرش ، ولم يؤتها نبي كان قبلي ، قال علي : فما بتّ ليلة قط منذ سمعتها من رسول اللَّه إلا قرأتها ، الحديث « 1 » . ولعل السرّ في هذا الاهتمام بها هو أنها تتحدث عن التوحيد الخالص بالمستوى الذي يعيش فيه الإنسان حضور اللَّه في وجدانه ، في كلّ ما يعنيه هذا الحضور من عظمة وسيطرة وإحاطة حقيقية بالأشياء كلها ، ورعاية لكل شؤونها الخاصة والعامة ، وتفرّد بالقدرة على كل شيء ، فلا شيء هناك غير اللَّه ، لأن كل المخلوقات ظل لوجوده ، ولا قيمة لأيّ علم أمام علم اللَّه ، ولا سلطة غير سلطته ، وأن الخط الذي يرسمه للناس هو الخط الواضح المستقيم الذي لا التباس فيه ولا شك ولا ظلمة ، وأنه - هو - الذي يفتح للمؤمنين أبواب النور في المعرفة والحياة ، من خلال الإيمان الواعي المنفتح ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، بينما يقف الكافرون أمام الطاغوت الذي يرتبطون به ويعبدونه ويتبعونه من دون اللَّه ، ليخرجهم من النور ، الذي يقتحم عليهم وعيهم ووجدانهم ، إلى الظلمات التي يحملها الكفر إلى داخل حياتهم ، فيحوّل النور في حياتهم إلى ظلمة بما يخلقه من حواجز تحجزهم عن اللَّه . وهذا ما توحي به الآية التالية بعدها التي تمثل الامتداد المعنوي لها . وبذلك كانت قيمة هذه الآية أنّها تركز في أعماق الإنسان المؤمن التوحيد الخالص بأسمى خصائصه وعناصره ، وتوحي له بأن الخط الفاصل بين منهج اللَّه ومنهج الطاغوت هو الخط الفاصل بين النور والظلمة . . وهذا ما نريد أن نستوضحه من خلال مفردات الآية .
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 342 .