السيد محمد حسين فضل الله

236

من وحي القرآن

الوقوف عند الشبهة والتسليم في مقابل الزائغين قلبا ، وبين أن تدل آيات أخر على أنهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته » « 1 » . وخلاصة الإشكال ، أن السياق - في هذه الآية - يتحرك في دائرة الحديث عن الكتاب وانقسام الناس حوله ، - كما ذكر - ولكن الظاهر أنها - في مقام بيان الموقف منه - تؤكد أن هناك من لا يؤمن بالكتاب ويحاول إضلال الناس البسطاء باستغلال المتشابه من أجل فتنتهم عن دينهم وتأويله لمصلحة عقائدهم الباطلة من دون أن يملكوا علم ذلك ، لأنهم لم ينفتحوا عليه انفتاح المؤمن على كتابه المقدس ليتدبروا آياته ويرجعوا بها إلى معانيها في الواقع من خلال مصادر العلم لديهم ، ومنها وحي اللَّه وإلهامه في تفسير آياته ، فهم لا يجدون أية ضرورة أو أيّ حافز لذلك ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فإنهم انطلقوا في إيمانهم من خلال معرفتهم باللَّه وبكتابه ، ولذلك فإنهم يواجهون المتشابه من موقع إيمانهم بأن الكتاب من عند اللَّه ، في محكمه ومتشابهه ، فلا تختلف آياته ، ولا تتنافر معانيه ، مما يجعل بعضه يفسر البعض الآخر . ولذلك فإنهم يستخدمون علمهم من أجل أن يؤكدوا إيمانهم وإيمان الناس به ، فيعلنونه في موقع حاسم لا مجال للشك فيه ، ليقولوا آمنا به كلّ من عند ربنا الذي جعل المحكم ، الذي « هو أم الكتاب » ومصدره ومرجعه ، دليلا على المتشابه ، وجعلهما معا نورا وهدى للناس ، فليست مسألة تسليم إيمانيّ مجرّد ، بل هو تسليم عقليّ واع في الإيمان ، ولذلك ضمّ المحكم إلى المتشابه ، مع أن الإيمان ، به كان منطلقا من حالة وعي لا من حالة تسليم أعمى ، مما يؤكد هذا الوجه ، الذي نرتأيه ويذهب إليه جمهرة من الصحابة كابن عباس وبعض القدماء والشافعية ومعظم المفسرين من الشيعة .

--> ( 1 ) م . س . ، ج : 3 ، ص : 33 .