السيد محمد حسين فضل الله
235
من وحي القرآن
وقفة مع صاحب الميزان وقد وافقهم في هذا الرأي صاحب تفسير الميزان ، الذي يرى أن المعنى - في الآية - : « أن الناس في الأخذ بالكتاب قسمان : فمنهم من يتبع ما تشابه منه ومنهم من يقول إذا تشابه عليه شيء منه : آمنّا به كلّ من عند ربنا ، وإنما اختلفا لاختلافهم ، من جهة زيغ القلب ورسوخ العلم » « 1 » . ولكننا نلاحظ على كلامه ، بالإضافة إلى ما قدمناه في صدر تفسير الآية ، أن الإشكال على حديثه عن سياق الآية جاء على تقسيم الناس من الكتاب إلى جماعة تتبع المتشابه لاستغلاله في غير الحق ، من خلال زيغ قلوبهم وانحرافهم عن خط الاستقامة ، وجماعة ثابتة على اتّباع المحكم والإتيان بالمتشابه لرسوخ في علمهم ، ويستفاد من الآية - كما ذكرنا ذلك - أن القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم ، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول ، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك . ولكنه لا يمانع من أن الراسخين في العلم قد يعلمون معنى المتشابه على طريقة الاستثناء من القاعدة ، فإن « العلم بالتأويل مقصور في الآية عليه تعالى ، ولا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه ، كما أن الآيات دالة على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه ، كما في قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 - 27 ] ، ولا ينافيه أيضا كون المستثنى « الراسخون في العلم » بعينهم ، إذ لا منافاة بين أن تدلّ هذه الآية على شأن من شؤون الراسخين في العلم ، وهو
--> ( 1 ) م . س . ، ج : 3 ، ص : 32 .