السيد محمد حسين فضل الله

221

من وحي القرآن

على كلمة « اللَّه » ، خلافا لمن قال بأن الواو استئنافية واعتبار كلمة « الراسخون » بداية لجملة جديدة مفصولة عن الجملة الأولى ، مع التزامه بأنّ حصر علم التأويل باللَّه لا يعني عدم مشاركة الراسخين له في ذلك من خلال تعليمهم إيّاه من عنده ، تماما كما هو علم الغيب الذي اختص به اللَّه سبحانه ولكنه أعطاه لمن ارتضى من رسول في ما خصّه به من علم . إننا نعتقد أن ورود كلمة « الراسخين في العلم » بالإضافة إلى جوّ الآية ، يوحي بما قلناه ، وذلك لأن هذه الصفة لا دور لها إذا لم يكن للراسخين في العلم من دور إلا الإعلان بأن المحكم والمتشابه من عند اللَّه تعالى ، بل هو منطلق من خلال صفة الإيمان التي تعني التسليم بكل ما جاء به اللَّه . أمّا إذا كانت معطوفة على كلمة اللَّه بحيث تدلّ على أنهم يعلمون تأويل القرآن في ما تشابه من آياته ، فإنها توحي بأن رسوخهم في العلم جعلهم يتدبرون القرآن فيفهمون التناسب بين آياته في ما تمثله من حقائق العقيدة والحياة ، وبذلك لا يجدون في آية واحدة منها ما يبتعد عن المعنى الذي توحيه الأخرى ، وبهذا يكون للإيمان بأنها - جميعا - من عند اللَّه ، معنى مناسب للتدقيق في معرفة طبيعة المعنى هنا وهناك . إن هذا الإيمان ، إذا لم يكن ممثلا لقناعة صاحبه ، فلا يفرض ضرورة للجمع بين النصوص ، فيمكن في حالة اختلاف المصدر ، أن يكون المعنى هنا يختلف عن المعنى هناك . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن القرآن قد جاء هدى للناس ، يفتح قلوبهم على المعرفة الحقّة التي يريدها اللَّه للحياة ، فلا بد من أن يكون - بطبيعته - هاديا للوصول إلى الحقيقة ، بحيث يكون أساسا للحجة والبرهان على الحق من دون حاجة إلى وسائل غير عاديّة . وهذا مما لا يتناسب مع اختصاص العلم باللَّه ليكون حاله حال العلم بالغيب الذي لا يستطيع الإنسان أن يصل إليه إلا من قبل اللَّه ، فلا يملك أية وسيلة ذاتية إليه . وهذا لا يتناسب مع طبيعة القرآن ودوره في هداية الناس