السيد محمد حسين فضل الله
219
من وحي القرآن
الحقيقي ، لإفساح المجال لفتنة المسلمين عن دينهم باسم الدين . ولذلك كانوا يتبعون المتشابه ، لا اتّباع العمل والهدى ، بل اتباع الفرصة السانحة لتنفيذ المخطط الضال ، لأنه هو الذي يمكنهم من الفتنة بما يفتحه أمامهم من مجالات التفسير الذي لا تسمح به الآيات المحكمة لما تشتمل عليه من الوضوح . ولعلّ ما تقدّم من ذكر أسباب النزول ، بمناسبة الكلام على الآيات 1 - 6 ، يوضح الصورة ، فقد نستوحي من القصة ، أن هؤلاء كانوا يحاولون أن يختاروا من آيات القرآن ، الآيات التي تتحدث عن عيسى بأنه روح اللَّه ، وبأنه كلمة اللَّه التي ألقاها إلى مريم ، ونحو ذلك ، مما يمكن أن يترك لهم مجالا بأن يلبسوا الأمر على البسطاء في ما تعنيه هذه الكلمات من وجود جزء من الألوهية في ذاته أو ما أشبه هذا من التأويلات والتعليلات . وهذا هو شأن كل صاحب فكرة أو عقيدة ، فإنه يحاول أن يجر الآخرين إليه من خلال الاستفادة من بعض الكلمات التي تسمح بالتفسير الفضفاض الذي يقف الإنسان معه عند حدّ معيّن واضح ، لتضليلهم عن الحق ، باسم آيات الحق . وهذا هو الذي أوجب الاختلاف في المذاهب الإسلامية في الجبر والتفويض والتجسيم ورؤية اللَّه وغيرها من المفاهيم التي وقعت مجالا للنزاع بين المسلمين ، فحاول كل فريق أن يستفيد من بعض الآيات القرآنية التي قد تفسر على هذا النحو أو ذاك في ما يلائم اللفظ من تفسير . وهذا ما عبر عنه الإمام علي عليه السّلام في بعض كلامه : « لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمّال ذو وجوه » « 1 » .
--> ( 1 ) ابن أبي طالب ، علي ، نهج البلاغة ، ضبط نصه د . صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني . ط : 2 ، 1982 م ، ص : 350 ، الكتاب : 77 .