السيد محمد حسين فضل الله

200

من وحي القرآن

انطلقت في أجواء التاريخ الديني في نطاق الأديان السابقة في قصص آل عمران ، لتواجه به النوازع السوداء لأهل الكتاب من اليهود ، وتصور لهم كيف كان التاريخ الناصع المتمثل في هذه النماذج البشرية التي استطاعت أن تعيش الإخلاص للَّه كأعمق ما يكون الإخلاص ، ليتمثلوا ذلك في واقعهم إذا كانوا صادقين في ارتباطهم بذلك التاريخ . وانطلقت السورة بعد ذلك ، لتطرح على أهل الكتاب دعوة اللقاء والمباهلة ليتبين لهم الحقّ من الباطل . وقد أوردت صورا عن أجواء معارك الإسلام وفي طليعتها معركة أحد التي عاش المسلمون فيها زهو الانتصار في بدايتها كما عاشوا مرارة الهزيمة في نهايتها . . . وكان القرآن الكريم في هذه السورة يضع النقاط على الحروف ليأخذ من الهزيمة درسا عمليا من أجل المستقبل الذي لا يريد للمسلمين أن يعيشوا فيه ثقل الهزيمة ، ليتحرروا من سلبيات الماضي بهذا الخصوص . وأعتقد أن دراسة معركة أحد في هذا الجو القرآني يفوق أية دراسة أخرى تعتمد على تفاصيل القصة في السيرة ، لأن قيمة القرآن في نقل القصة أنه يحشد أمامنا الأجواء الروحية التي كان يعيشها المسلمون كما لو كنا نعيشها في ذلك العصر . إنه ينقل لنا التجربة حيّة وينقدها وهي تتحرك في مراحلها المتقدمة . وهكذا نجد في هذه السورة الكثير من الإيحاءات الروحية والعملية وطريقة التعامل مع الآخرين من أهل الكتاب ، وذلك في ما ترصده من حركاتهم وأوضاعهم ، من أجل أن تخلق في نفوس المؤمنين المزيد من الوعي العملي عندما يتحركون في ساحة العمل معهم ومع غيرهم ، ثم توحي للمؤمنين بأن سبيل الانتصار والنجاح في الحياة ، لا يحصل بالاسترخاء والتواكل والكسل والاستغراق في غيبوبة صوفية بعيدة عن الواقع ، بل