السيد محمد حسين فضل الله
160
من وحي القرآن
وفي ضوء ذلك كله ، فإن الاستنتاج الذي أكده الباحث من اختلاف الربا المصرفي عن الربا القرآني ، بحيث يكون الموضوع فيه غير الموضوع في القرآن فلا تشمله الحرمة ، لأن الدائنين في المصارف هم المالكون الصغار ، والمدينون هم المالكون الكبار ، فلا يكون موردا للصدقة كما هو في المورد القرآني ، ولأن المنفعة هنا مشتركة بين الدائن بما يأخذه من الفائدة والمدين بما يستثمره من رأس المال ، بينما تختص بالدائن في الربا القرآني ، ولأن المعاملة المصرفية ليست مجرد تنمية للمال في أموال الناس ، بل هي تجارة من نوع جديد مما يتصل بحاجة الناس ، ولأن الدائن مضطرب الحال في الربا القرآني لعجز المدين ، بينما هو مستريح البال لغناه ولكون المصرف مؤسسة منظمة ترعى المال وتضمنه لصاحبه من دون خوف ، ولأن الزيادة في المصارف تشترط لأغراض تجارية بينما الزيادة في القرآن لا تشترط إلا على رجل محتاج للصدقة . إننا نرفض هذا الاستنتاج من خلال الإشارة إلى الاختلاف المذكور ، لأنه قائم على الاستفادة الضيقة في الربا القرآني بأنه وارد في مورد المحتاج العاجز عن الوفاء ، وهو غير ظاهر كما ذكرنا ، بل هو وارد في مقام الحديث عن النظام الاقتصادي الذي ينطلق فيه الناس في حياتهم العامة في معاملاتهم بعيدا عن شخصية الدائن والمدين ، وهكذا في قضية اشتراك المنفعة هنا في المصارف واختصاصها بالدائن في الربا القرآني ، فإن الملحوظ هو التركيز على الانتفاع بالربا من دون نظر إلى ما يفعله المدين من استثمار المال في حاجاته وفي مشاريع أخرى . وهكذا تنطلق المناقشة في الإشارة إلى أن ربا المصارف يمثل تجارة ، فإننا لا نفهم معنى ذلك في طبيعة المعاملة الربوية في مدلولها الموضوعي ، لأن مسألة التجارة خارجة عن المعاملة ويمكن أن تحصل في الربا القرآني عندما يستثمر المدين رأس المال في أعمال تجارية صغيرة تدرّ عليه الربح .