السيد محمد حسين فضل الله
88
من وحي القرآن
إن أموالنا قد ضاعت ، وإن اللّه قد أعز الإسلام وكثر ناصروه ؛ فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل اللّه على نبيه - يرد علينا ما قلنا - وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو » « 1 » . ونحن نلاحظ أن الآية يمكن أن تنطبق على هذا المورد ، وهو ترك الجهاد ، والاستسلام للدعة والاسترخاء ، والإقبال على إصلاح الأموال كهدف كبير للحياة . . . فإن المجتمع عندما يعيش مثل هذا الجو السلبي أمام قضايا المصير ، فلا بد من أن يقع في التهلكة ، لأن العدو سوف يتغلب على المسلمين ويسيطر على مقدراتهم الاقتصادية والأمنية ، ويحتل أرضهم ، ويهزم جمعهم ، ويحطم قوتهم ، الأمر الذي يؤدي إلى هلاك الأمة سياسيا واقتصاديا وأمنيا . وهذا ما لا يرضاه اللّه ، ولكن من المستبعد أن تكون الآية دالة على ذلك بخصوصه ، فإن الظاهر منها الربط بين الإنفاق والإلقاء في التهلكة ، ومع الإغضاء عن ذلك ، فإنها تكون مطلقة لكل الموارد الإيجابية والسلبية في الأشياء كلها . أما التفسير الثاني ، فيرى أن « الإنفاق بشكل عام يؤدي إلى نجاة أفراد المجتمع من الهلاك ، وبالعكس ، حينما يترك أفراد المجتمع الإنفاق وتتراكم الثروة في أحد أقطاب المجتمع ، تنشأ أكثرية محرومة بائسة ، ولن يلبث هذا المجتمع حتى يحدث انفجار عظيم فيه يحرق الأثرياء وثروتهم ، ويتضح من ذلك ارتباط الإنفاق بإبعاد التهلكة » « 2 » . ونلاحظ على هذا الوجه ما لاحظناه على الوجه الأول ، مع ملاحظة بعده عن السياق العام للآية ، وهو حالة الجهاد ، مما يبعد معه إرادة الخصوصية
--> ( 1 ) الدر المنثور ، ج : 1 ، ص : 500 . ( 2 ) الشيرازي ، ناصر مكارم ، الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل ، مؤسسة البعثة ، بيروت ، ط : 1 ، 1410 ه - 1990 م ، ج : 2 ، ص : 24 - 25 .