السيد محمد حسين فضل الله
75
من وحي القرآن
وَالْفِتْنَةُ : أصلها الاختبار ، ثم ينصرف إلى معان منها : الابتلاء ، نحو قوله تعالى : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [ طه : 40 ] أي : ابتليناك ابتلاء على أثر ابتلاء . ومنها : العذاب ، كقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ [ العنكبوت : 10 ] ومنها : الصدّ عن الدين ، نحو قوله : أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ [ المائدة : 49 ] والمراد بها في الآية : الشرك باللّه ورسوله . تشريع القتال في الخطوات الأولى في هذه الآيات ، يضع القرآن الخطوات الأولى لتشريع القتال في الإسلام ، ويثير أمامنا الفكرة التي يستند عليها هذا التشريع في بداياته . فقد كانت قريش هي البادئة بالقتال والعدوان على المسلمين ، فليس من الطبيعي أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمامها ، ينادون بالسلام والمحبة والعفو والمغفرة ، لأن مثل هذه المفاهيم الروحية الأخلاقية لا يفهمها المعتدون الذين يحركون سيوفهم في هوى أطماعهم وشهواتهم وظلمات أنفسهم ، فلا بد من الحديث معهم باللغة التي يفهمونها جيدا ، من موقع الجو الذي يعيشونه في اعتبار القوة أساسا للحق وللسيطرة . وكان الإسلام واقعيا في نظرته إلى طبيعة الموقف ، فأذن للمسلمين في القتال في سبيل اللّه لمن يقاتلهم . وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ فلم يأذن لهم أن ينطلقوا من موقع الثأر الشخصي الذي يستجيب للنوازع الذاتية ، التي قد تضعف وقد تقوى تبعا للحالة النفسية التي تحكم الواقع الداخلي للإنسان ، بل أذن لهم أن يعتبروا الخط القتالي سائرا في سبيل اللّه ، لأن هؤلاء يعملون على أساس إبعاد الناس