السيد محمد حسين فضل الله

376

من وحي القرآن

اللّه لهم بهذا الخروج ، لأن ذلك لن يحل لهم المشكلة ، فللموت أسباب كثيرة تنتظر الناس في الطريق . فإذا هربوا من سبب التقوا بسبب آخر ، فكأن اللّه يريد لهم أن يواجهوا الموقف من موقع الصمود الواعي الذي يتعامل مع الحياة والموت بإرادة واعية ، لا تبتعد عن الواقع عندما تقترب من الإيمان . . . فأماتهم اللّه جميعا فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ، ليعرفهم أن الموت بيده ، فهو الذي يحدد وقته من خلال حكمته في الكون بشكل مباشر أو غير مباشر ، فقد يأتي الموت للإنسان من حيث لا يحتسب ، وقد يتركه من حيث يرى أنه قادم إليه . ثُمَّ أَحْياهُمْ بما يملكه من القدرة على الإحياء ، لأنه مالك الحياة والموت ليأخذوا العبرة من ذلك في ما يستقبلون من حياة جديدة ، فلا يهربون من الموت عندما تدعوهم المسؤولية إلى مواجهة الخطر الذي يقترب بهم من الموت ، بل يقبلون عليه إقبال الإنسان الواثق بأن قضية الحياة والموت بيد اللّه ، ولا راد لقضاء اللّه تماما كما هو وحي الآية الكريمة في قوله تعالى : يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [ آل عمران : 154 ] . . . وقوله تعالى في آية أخرى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [ آل عمران : 145 ] . وهكذا كانت الآية تعبر عن صورة من صور الواقع بما توحيه من حكاية التاريخ في مدلولها اللفظي . وربما كان قوله تعالى لهم : مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ . دلالة واضحة على أن للقضية وجها ماديا في ما تعنيه كلمة الحياة والموت ، لا سيما بعد حديثه عنهم بأنهم خرجوا من بيوتهم حذر الموت . فكأنه أراد أن يأخذهم بعكس ما قصدوه ، فقد فكروا بأن الخروج يحقق لهم النجاة من الموت ، فإذا به يلقيهم في منتصف الطريق .