السيد محمد حسين فضل الله
353
من وحي القرآن
العفو تقوى وانتصار على الذات إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أي : المطلقات ، بحيث تسامح الرجل بما تستحقه عليه بشكل مباشر ، أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو الّذي يملك الولاية بالذات من خلال التشريع كالأب أو الجد ، أو الذي يملكه من خلال تولية المرأة أمر العقد إليه ، كالوكيل المفوض - سواء أكان قريبا أم بعيدا - فإن له أن يعفو عن الزوج إذا رأي ذلك مصلحة للمولى عليه ، أو كان التفويض شاملا لذلك . وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى فإن اللّه يريد للإنسان أن ينتصر على حب المال في نفسه ، وأن يتنازل عن حقه من خلال إرادة القرب من اللّه ، وأن لا يرتبط بالأمور من خلال الحسابات المادية التي تضع المال في مقابل المال ، والمصلحة في مواجهة المصلحة . لأن ذلك قد يحقق للإنسان الدقة في حساباته في شؤون حياته ، ولكنه لا يحقق له السموّ الروحي الذي يتعالى فيه على الذات ، فيبقى مشدودا إلى النوازع الذاتية والوساوس الشيطانية والهواجس المرضية ، مما يبعده عن دائرة التوازن في نطاق المادة والروح . ولذلك كان العفو عن الآخر وسيلة من وسائل تحصيل القوة ضد الذين يريدون إثارته في انفعالاته من أجل إيقاعه في الخطأ والخطيئة ، فيملك من خلال ذلك نفسه ، فلا يستطيع الآخرون إبعاده عن الخط المستقيم . إن أيّ انتصار على الذات في جانب ما يمنح الإنسان قوة في الانتصار عليها في الجوانب الأخرى ، ولذلك يتحوّل العفو ليكون حركة تدريبية في تجربة الإنسان على تجاوز نفسه إلى الانفتاح على مواقع رضى اللّه ، مما يقرّبه من الانضباط الواعي في آفاق التقوى التي تمثل الثبات على المبدأ والإصرار