السيد محمد حسين فضل الله
20
من وحي القرآن
وفي هذا الإطار ، اعتبرت العبادات الإسلامية من ركائز الإسلام ، باعتبار علاقتها ببناء الشخصية الإسلامية للإنسان في ما يفكر ويعمل ويمارس من علاقات عامه وخاصه ، وفي ما يخطط له من غايات ، وما يستخدم من وسائل ، وذلك من خلال تعدد وتنوع أساليبها وتنوعها ، وفي ما تثيره من مشاعر ، وما تحركه من نوازع وأفكار . وقد نلاحظ في روعة التشريع العبادي في الإسلام ، أنه حرّك العبادة في إطار العطاء فاعتبر العطاء عبادة ، وأطلقها في الحياة فقرر أن العمل في سبيل طلب الحلال عبادة ، وأثارها في خط الدفاع عن الإنسان وقيمه الكبيرة في الحياة ، فالجهاد في سبيل اللّه عبادة يتعبّد فيها الإنسان لربّه ، وأفسح المجال للنية الخالصة في داخل الإنسان ، لتعطي كل عمل يقصد به الإنسان وجه ربّه في كل شأن من شؤون الحياة الذاتية والعامة ، صفة العبادة التي تقربه إلى اللّه . وكان الصوم إحدى العبادات التي بني عليها الإسلام حسب ما ورد في أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السّلام ، فقد فرضه اللّه على المؤمنين في الإسلام ، كما فرضه على المؤمنين قبلهم في الشرائع السابقة ، فقد ورد في قاموس الكتاب المقدس : « الصوم بشكل عام وفي جميع الأوقات كان متداولا في أوقات الأحزان والنوائب بين جميع الطوائف والملل والمذاهب » « 1 » . ويظهر من التوراة أن موسى عليه السّلام صام أربعين يوما ، فقد جاء فيها : « أقمت في الجبل أربعين ليلة لا آكل خبزا ولا أشرب ماء . وكان اليهود يصومون لدى التوبة والتضرّع إلى اللّه . واليهود كانوا يصومون غالبا حينما تتاح لهم الفرصة للإعراب عن عجزهم وتواضعهم أمام اللّه ، ليعترفوا بذنوبهم عن طريق الصوم والتوبة ، وليحصلوا على رضى ضرة القدس الإلهي » « 2 » .
--> ( 1 ) قاموس الكتاب المقدس ، ص : 427 . ( 2 ) التوراة ، سفر التثنية ، إصحاح : 9 ، الرقم : 9 .