السيد محمد حسين فضل الله
194
من وحي القرآن
الذي يلتقي مع معنى الحبط والبطلان . وفي ضوء ذلك ، يكون الحبط كناية عن أن هذه الأعمال - مع الكفر - صارت بمنزلة العدم ، لأن الإيمان هو الذي يعطي العمل قيمته ونتائجه الإيجابية . فليست السعادة التي يتطلبها الإنسان شيئا يعيشه في حياته الداخلية من موقع الثقة التي يفرضها الإيمان ، بل هو شيء يحصل عليه من خلال عطاء اللّه له ، لأن اللّه يعطي الثواب في الدنيا كما في الآخرة ، وسينزل العذاب في الدنيا كما ينزله في الآخرة . وهذا هو جوّ الآية ، واللّه العالم . هل الأعمال يبطل بعضها بعضا ؟ 2 - هناك خلاف فكري بين المؤمنين : هل أن الأعمال يبطل بعضها بعضا بحيث تبطل الحسنة السيئة ، أو السيئة الحسنة ، أو يبقى كل واحد منهما على حاله في قضية الجزاء ؟ فهناك قائل ببطلان الإحباط . أولا : لأنه ظلم مستحيل على اللّه سبحانه . وهذا ما ذكره نصير الدّين الطوسي في تجريد الاعتقاد ، قال : إن الإحباط نوع من الظلم ، فلو أن شخصا قلّت حسناته وكثرت ذنوبه ، فسيكون الإحباط بالنسبة إليه أن يصبح شخصا لم يعمل حسنة قط ، وهذا ظلم بحقه . وثانيا : الآيات الدالة على أن الإنسان يجزى بعمله مطلقا ، سواء لحقه شيء مضاد له أو لم يلحقه كما في قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 - 8 ] . وقوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 201 ] وظاهر هذه الآية أن الأعمال تبقى على حالها في نتائجها الإيجابية والسلبية حتى تأتيهم التوبة من اللّه سبحانه .