السيد محمد حسين فضل الله
195
من وحي القرآن
وثالثا : إنه لا موجب للإحباط بعد انطلاق كل منهما من موقعه الداخلي في النفس الإنسانية ، مما يفرض أن يأخذ كل واحد منهما دوره في واقع الإنسان من خلال عدم ارتباط أحدهما بالآخر ، أو غلبته عليه . فلا وجه لإلغاء أحدهما الآخر . وهذا هو المنهج العقلائي الذي جرى عليه العقلاء بفطرتهم التي خلقها اللّه فيهم في الجزاء على الحسنة بشكل مستقل كما لو لم تكن هناك سيئة ، والجزاء على السيئة بشكل مستقل ، كما لو لم تكن هناك حسنة ، وذلك من خلال السيئات والحسنات التي لا تحمل مدلولا مميزا ، بحيث يلغي الأساس للآخر كله ، أما في العمل الذي يقطع العلاقة بين الإنسان وربه كالكفر والارتداد ، فإنه يقطع المسألة من جذورها التي لا تبقي للحسنة أية قابلية للبقاء في حساب الأعمال . وهناك قائل بأن الأعمال تبقى على حالها في آثارها العامة والخاصة ، ولكن الحسنة قد تكفر السيئة ، كما في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الأنفال : 29 ] ، وقوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً [ النساء : 31 ] وقوله تعالى في تبديل السيئة بالحسنة : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ الفرقان : 70 ] . وقوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ [ هود : 114 ] . وهذا أمر قريب إلى المنهج الإسلامي الذي يلتقي بالعفو والمغفرة والتوبة التي قد تكون كلامية ، وقد تكون عملية بتبديل الخط العملي من السلب إلى الإيجاب . وذهب صاحب البحار العلامة المجلسي في بحار الأنوار إلى ثبوت سقوط الثواب بكفر يستمر إلى نهاية العمر ، وسقوط العقاب بإيمان يستمر حتى الموت . والأخبار كثيرة بشأن هبوط كثير من الطاعات عن طريق كثير من