السيد محمد حسين فضل الله

154

من وحي القرآن

الناس بأن المسألة كانت سهوا - كأي سهو آخر مما يحدث للناس - لو صحت الرواية . إنّ قضية الغرض الإلهي في وصول الوحي إلى الناس ، لا يستلزم إلا الوصول في نهاية المطاف من غير خطأ ، ولكن لا مانع من حدوث بعض الحالات التي يقع فيها الخطأ ، لا ليستمر ، بل لينقلب إلى صواب تؤكده القرائن القطعية التي توحي بالحقيقة في وجدان الإنسان . ويتابع العلّامة الطباطبائي حديثه في العصمة ليشمل - في استيحاء هذه الآية مع آية ثانية - العصمة عن المعصية في العمل فيقول : « يمكن تتميم دلالتهما على العصمة من المعصية أيضا بأن الفعل دال كالقول عند العقلاء . فالفاعل لفعل يدل بفعله على أنه يراه حسنا جائزا كما لو قال : إن الفعل الفلاني حسن جائز ، فلو تحققت معصية من النبي وهو يأمر بخلافها ، لكان ذلك تناقضا منه ، فإن فعله يناقض حينئذ قوله ، فيكون حينئذ مبلغا لكلا المتناقضين . وليس تبليغ المتناقضين بتبليغ للحق ، فإنّ المخبر بالمتناقضين لم يخبر بالحق لكون كل منهما مبطلا للآخر ؛ فعصمة النبي في تبليغ رسالته لا تتم إلا مع عصمته عن المعصية وصونه عن المخالفة كما لا يخفى » « 1 » . ونلاحظ على ذلك أن ما ذكره من دلالة الفعل على نهج دلالة القول صحيح - من ناحية المبدأ - وذلك في الحالة العادية الطبيعية للتعبير الإنساني بواسطة النقل ؛ ولكن قد ينطلق الفعل من الإنسان على أساس الواقع العملي الذي قد يتحرك فيه من خلال أوضاعه الشخصية الخاضعة لبعض النزوات الطارئة بفعل الضغوط الداخلية أو الخارجية ، الحسية والمعنوية ، فيتراجع عنها لمصلحة المبدأ الذي كان قد بيّنه للناس من موقع الوحي أو نحوه ، تماما كما هي الحالة الجارية في سلوك المصلحين والرساليين - حتى الأتقياء منهم - في

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 137 .