السيد محمد حسين فضل الله
12
من وحي القرآن
التشريع والجعل . وعلى هذا يكون قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي : سجل عليكم تأكيد الوصية إِنْ تَرَكَ خَيْراً مالا معتدا به . والخير : كناية عن المال . وقد اختلفت الروايات في تحديده ، ولكن الظاهر منها هو المقدار المعتد به ، الذي يمكن أن يبقى منه مقدار زائد على حصة الإرث - حسب حالة الورثة - كما ورد في الحديث عن علي عليه السّلام ، أنه « دخل على مولى لهم في الموت وله سبعمائة درهم ، أو ستمائة درهم ، فقال : ألا أوصي ؟ قال : لا ، إنما قال اللّه تعالى : إِنْ تَرَكَ خَيْراً وليس لك كثير مال ، فدع مالك لورثتك » « 1 » . والظاهر منه المقدار الذي يتناسب مع طبيعة واقع الحال للموصي والموصى له والورثة ، الْوَصِيَّةُ وهي التحليل لما بعد الموت لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ الذي يحسن الإنسان فيه إلى أقربائه . حَقًّا ثابتا عَلَى الْمُتَّقِينَ لأن التقوى تفجر في الإنسان طاقات الخير بما توحي به من الحصول على محبة الله ورضاه ، والابتعاد عن غضبه وسخطه ، مما يدفعه إلى القيام بالأعمال المحبوبة له ، واجبة كانت أو مستحبة ، لأن ذلك هو سبيل القرب إليه والنجاة من عذابه . فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إن تنفيذ الوصية وتحوّلها إلى واقع عملي هي مسؤولية الوصي ، في ما سمعه وعرفه من الوصية تحت طائلة العقاب في حالة التبديل والتغيير . وقد أكد اللّه على ذلك وشدد الأمر فيه ، لأن غياب الموصي بالموت يجعل الوصي في أمن من جهته ، على أساس أن الإنسان لا يلتزم عادة بتنفيذ إرادة الآخرين ، إلا إذا كانوا في وضع خاص من القوة المادية أو المعنوية التي تستتبع الحساب أو العقاب أو العتاب .
--> ( 1 ) السيوطي ، جلال الدين ، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، بيروت - لبنان ، 1993 م - 1414 ه ، ج : 1 ، ص : 422 - 423 .