السيد محمد حسين فضل الله
30
من وحي القرآن
ليست هي الأساس في قرب الناس وبعدهم في قضايا العطاء والمنع ، بل هي الدار الآخرة التي تمثل المكان الفصل في اليوم الفاصل الذي تتحدد فيه المواقع ونتائج المصير بين المؤمن والكافر ، فيلقى المؤمن جزاء إيمانه ، أمّا الكافر فإني أترك له الفرصة في الدنيا ، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ في الخلود في العذاب من خلال سخط اللّه وغضبه . إبراهيم وإسماعيل يبنيان المسجد على أساس التقوى وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ويقيمان الأسس التي يرتكز عليها البناء ، في روحية خاشعة منفتحة على رضى اللّه في مواقع القرب إليه ، من بناء بيته وتهيئة الأجواء التي تقرب الناس منه وتبعدهم عن مجالات سخطه ، لأن المسجد هو المكان الذي يهيئ للناس الفرصة للاجتماع في العبادة والاندماج في روحية الدعاء وخشوع الابتهال ، فكانا يبنيان البيت كما لو كانا في حالة صلاة أو موقف طاعة يبتهلان إلى اللّه فيها أن يتقبل منهما ذلك : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا ، قرباتنا وابتهالاتنا وأعمالنا ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الذي يسمع نجوانا ويعلم ما في خفايا ضمائرنا ونيّاتنا من المحبة لك وإخلاص القرب إليك ، رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ « 1 » لنسلم لك في كل أقوالنا وأفعالنا
--> ( 1 ) وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ربما يرد سؤال أن إبراهيم وإسماعيل كانا مسلمين عند بناء البيت ، فما معنى الدعاء بأن يجعلهما اللّه مسلمين ؟ وأجاب الطبرسي في مجمع البيان بأن المقصود : وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ في مستقبل عمرنا ، كما جعلتنا مسلمين في ماضي عمرنا ، بأن توفقنا وتفعل بنا الألطاف التي تدعونا إلى الثبات على الإسلام . [ مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 393 ] . وذلك تماما كما هي الحال في قوله تعالى : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ [ إبراهيم : 40 ] ،