السيد محمد حسين فضل الله
86
من وحي القرآن
لنعتبرها قربانا له ، وليس المقام مقام دعوة للإطعام لنقدم لحمها للآكلين الفقراء ، وليس هناك شيء آخر يدخل في دائرة التصور الواقعي المعقول . وكان جواب موسى في مستوى المدلول السيئ لردود قومه عليه ، ولذا جاء جوابه زاخرا بالمرارة قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ، فقد استعاذ باللّه أن يكون من الجاهلين ، لأن مثل هذا التصرف - على حسب مفهومهم الخاطئ - يجعل موسى في موقف الجاهل الذي لا يعرف كيف يتصرف وأين يضع كلماته ، ولا يعقل مركز النبوّة ومنطلقاتها العملية ، كما أنه لا يمكن أن يحدثهم عن اللّه بما لم ينزله عليه ، ومما لم يأمرهم به ، لأن ذلك يعتبر خيانة من الرسول وكذبا على اللّه ، وكيف يمكن أن يسخر موسى - النبي - بالناس الذين جاء لهدايتهم وربطهم بالجانب الجدي في مواقع المسؤولية في الحياة ، لا سيما إذا كانت المسألة مرتبطة بالعمل الذي يكلفهم الكثير من الجهد والمال والتعقيدات الاجتماعية . سؤالهم عن حقيقة البقرة وعادوا من جديد إلى المشاغبة ، ولكن من موقع اتهامه بأنه يحمل أمرا مبهما لا وضوح فيه ، فسألوه عن حقيقة البقرة ، وقد كان بإمكانهم أن يأخذوا بإطلاق الكلمة في مقام البيان - كما يقول الأصوليون - قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ . وبدأ الموقف يتجه اتجاها آخر يشبه العقوبة ومواجهة التحدي بمثله ، فتحوّل الجواب إلى التضييق عليهم بفرض قيود لم تكن داخلة في حساب التشريع في ذاته . . . قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ إنها بقرة لا هرمة ، وَلا بِكْرٌ صغيرة ، عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ وسط بين ذلك ، وهي أقوى ما يكون ، فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ واستجيبوا لهذا الأمر الإلهي في حدوده الجديدة ،