السيد محمد حسين فضل الله
87
من وحي القرآن
مما يعني أن القضية لا تحتاج إلى سؤال جديد ، فبإمكانهم أن يكتفوا بما ذكر لأنه لم يذكر لهم زيادة في التفاصيل ، وأن يسكتوا عما سكت اللّه عنه ، لأن اللّه لا يحاسب العباد إلا على ما يبيّنه لهم ، فلا عقاب بلا بيان . ولكنهم لم يكتفوا بذلك ، بل عادوا يثيرون كل ما يتصورونه من خصائص البقر ممّا يمكن أن يقع موضعا للسؤال قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها لأن ألوان البقر تتعدد ، فهل يفرض علينا اللّه لونا معينا لنلتزم به ، لأنك لم تحدد لنا ذلك . وجاء الجواب الثاني ليحدّد ويضيّق ، ردّا على هذا الفضول الذي لا معنى له ؛ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ . . . وعاد السؤال من جديد ، فهم لا يعرفون كيف يحصلون عليها لأنّ أنواع البقر تتشابه ، فلا يملكون الحصول على المطلوب المحدّد ، فطلبوا الصفات التي يمكن أن يجدوها بسهولة ، على الطبيعة ، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا في خصائصها وصفاتها الواضحة التي تجعلها أكثر وضوحا ، وكأنهم شعروا بأنهم قد ذهبوا بعيدا في هذا المجال ، فابتعدوا عن الخط في هذا الإلحاح الفضولي الذي لا يتناسب مع موقفهم من النبي كما لا ينسجم مع طبيعة المسؤولية ، فوعدوه بأنهم سيسلكون طريق الهدى في نهاية المطاف ؛ وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ بالهدى الذي ترشدنا إليه في حدود المسؤولية المتصلة بالواقع العملي للطاعة في انقيادنا لأوامر اللّه . وجاء الجواب أكثر تحديدا وتضييقا قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ ، لم يذللها العمل بإثارة الأرض بأظلافها ، وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ لا يستقى عليها الماء للزرع ، مُسَلَّمَةٌ من العيوب ، لا شِيَةَ فِيها لا علامات فيها تخالف لون جلدها . قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فإن هذه الأوصاف المتعددة تضعنا في موقع الوضوح الذي لا مجال فيه للحيرة والاشتباه . . ولم يملكوا سؤالا جديدا ، فَذَبَحُوها لأنهم لا يجدون حجة على الامتناع وَما كادُوا