السيد محمد حسين فضل الله

85

من وحي القرآن

على صورة مجتمع بني إسرائيل من الداخل ، وتوضح لنا الطريقة التي يواجه بها أفراده الأوامر الصادرة من موسى إليهم ، مما يوحي بطبيعة المشاغبة التي تجعلهم يواجهون القضايا من موقع التعقيد ، لا من موقع البساطة ، فيحوّلون مهمة النبي في قيادته الفكرية والعملية إلى مهمّة صعبة ، لأن هناك فرقا في حركة القيادة ، بين قيادة تتحرك في جمهور يطيع الأوامر كما ترد في صيغة الأمر ، وبين قيادة يقف جمهورها ليسأل عن كل صغيرة أو كبيرة من دون أن يكون ذلك داخلا في حساب مسئوليته ، فإن ذلك يعطل الحركة وينذر بالهزيمة في أصعب المواقف وأكثرها تعقيدا عندما تكون بحاجة إلى الحسم والتحرك السريع . ولا بد لنا من وقفة أمام هذا الحوار بين موسى وبين قومه ، لنستجلي بعض خصائصه الموضوعية ، فقد طلب منهم - باسم اللّه - أن يذبحوا بقرة ، فاستغربوا الطلب ، لأنهم لم يفهموا علاقته بالقضية المتنازع عليها - أو هكذا حاولوا أن يصوّروا الموضوع - فاعتبروا ذلك هزءا وسخرية بهم من موسى ، فدلّلوا على أنهم لا يعرفون مقام النبوّة ولا شخصية النبي بأبعادها الروحية التي تمنعه من أن يوجّه إليهم طلبا باسم اللّه على سبيل العبث والسخرية بهم ، فإن ذلك يعتبر إساءة للّه باستخدام اسمه في هذا المقام وبالكذب عليه ، لأنه يخبرهم بأن اللّه يأمرهم بذلك من دون أساس . أمر بني إسرائيل بذبح البقرة وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً أية بقرة قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً لأن مثل هذا الأمر لا يخضع لأية مناسبة تتصل بحياتنا في أوضاعنا الخاصة والعامة ، فليس المورد مورد قربان نقدمه إلى اللّه في مناسباته الخاصة