السيد محمد حسين فضل الله

55

من وحي القرآن

في وجودها الواقعي الذي يفرض التوحيد كحقيقة متحركة متجسدة ، لا كفكرة ذهنية في مرحلة الدعوة . وهناك نقطتان لا بد من الحديث عنهما بشكل تفصيلي : الأولى : مفهوم العبادة . والثانية : مقياس التوحيد والشرك فيها في الدائرة التطبيقية العملية . مفهوم العبادة قد تفسر العبادة بمعان ثلاثة - في اللغة - : الأول : الطاعة . ومنه قوله تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ يس : 60 ] فإن عبادة الشيطان المنهي عنها في الآية المباركة هي إطاعته . الثاني : الخضوع والتذلّل . ومنه قوله تعالى : فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [ المؤمنون : 47 ] أي خاضعون متذلّلون . الثالث : التألّه . ومنه قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ [ الرعد : 36 ] . وإلى المعنى الأخير يصرف هذا اللفظ في العرف العام إذا أطلق دون قرينة . وقد نلاحظ أمام هذا الحديث عن التنوّع في المعاني ، أنها تنطلق من معنى واحد ، وهو الخضوع المطلق الذي يختزن في داخله معنى الاستسلام للمعبود والذوبان فيه والانسحاق أمامه ، حتى ليحتوي في حالته الشعورية