السيد محمد حسين فضل الله
56
من وحي القرآن
الإحساس بشيء من الألوهية أو بالألوهية كلها في ذات المعبود . فليست العبادة هي الخضوع ولا الطاعة ولا التألّه ، ولكنها المعنى الذي يشمل ذلك كله في خصوصية مميّزة . في ضوء ذلك ، يمكن فهم قول الإمام الحسين عليه السّلام : « الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون » « 1 » . فإن عبادة الناس للدنيا تنطلق من استغراقهم فيها ، حتى كأنهم يمنحونها صفة الإله في استسلامهم المطلق لكل شهواتها ومتطلباتها ، كما لو كانت إلها معبودا . وهذا من التألّه الخفيّ الذي قد لا يستشعره الإنسان في وعيه ، لكنه يختزنه في المنطقة الخفية في ذاته . كما نستوحي ذلك من قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : 23 ] . فإن اعتبار الهوى إلها ، ينطلق من عمق الاستغراق فيه ، كما لو كان هو الذي يحتوي الوجود بحيث لا يبصر الإنسان غيره ، ولا يندفع إلّا نحوه ، ولا يلتزم إلّا به ، حتى يستولي على كل ذاته . وقد نستفيد ذلك من الكلمة المأثورة : « فمن أطاع ناطقاً فقد عبده ، فإن كان الناطق ينطق عن اللَّه تعالى فقد عبد اللَّه ، وإن كان ينطق عن غير اللَّه فقد عبد غير اللَّه » « 2 » ، بما يوحيه ذلك من الاستغراق المتمثل بالإصغاء الذي يستولي على الفكر والشعور ، بحيث يفقد الإنسان إرادته معه .
--> ( 1 ) البحار ، م : 14 ، ج : 44 ، ص : 670 ، باب : 37 . ( 2 ) م . ن ، م : 32 ، ج : 90 ، ص : 273 ، باب : 128 .