السيد محمد حسين فضل الله

49

من وحي القرآن

وهذا هو التصور الأوّل في السورة في ما يتصوره المؤمن من تصوراته العقيديّة للَّه ، لتلتقي صفة اللَّه المحمود ، مع مشاعر المؤمن الحامد . رَبِّ الْعالَمِينَ « الربّ : مأخوذ من ربب : وهو المالك المصلح والمربي ، ومنه : الربيبة ، وهو لا يطلق على غيره تعالى إلّا مضافاً إلى شيء ، فيقال : رب السفينة ، رب الدار » . وكلمة العالم : « جمع لا مفرد له كرهط وقوم ، وهو قد يطلق على مجموعة من الخلق متماثلة ، كما يقال ، عالم الجماد ، عالم النبات ، عالم الحيوان . وقد يطلق على مجموعة يؤلّف بين أجزائها اجتماعها في زمان أو مكان ، فيقال : عالم الصبا ، عالم الذّر ، عالم الدنيا ، عالم الآخرة . وقد يطلق ويراد به الخلق كله على اختلاف حقائق وحداته ، ويجمع بالواو والنون ، فيقال : عالمون ، ويجمع على فواعل ، فيقال : عوالم ، ولم يوجد في لغة العرب ما هو على زنة فاعل ، ويجمع بالواو والنون ، غير هذه الكلمة » « 1 » . الله هو المربي لذلك يمتزج معنى الألوهية ، في ما تعنيه الكلمة ، بمعنى التربية . فهو الإله الذي يخلق الخلق ، ولكن لا ليتركهم في الفراغ ، بل ليرعاهم فيربّي لهم إحساسهم من خلال الأجهزة التي أودعها في داخل كيانهم ، ومن خلال الأشياء التي خلقها لهم من الطعام والشراب وغير ذلك ، مما يتوقف عليه نموّ أجسادهم ، ومما يربّي لهم عقولهم من خلال العناصر الدقيقة الخفية التي أقام

--> ( 1 ) البيان في تفسير القرآن ، ص : 453 .