الغزالي
79
إحياء علوم الدين
وهذه الفوائد ما سوى الأوليين ، متعلقة بالمقاصد الدنيوية الحاضرة . ولكنها أيضا تتعلق بالدين . فإن الإنسان مهما تأذى برؤية ثقيل ، لم يأمن أن يغتابه ، وأن يستنكر ما هو صنع الله . فإذا تأذى من غيره بغيبة أو سوء ظن ، أو محاسدة أو نميمة أو غير ذلك ، لم يصبر عن مكافأته . وكل ذلك يجر إلى فساد الدين . وفي العزلة سلامة عن جميع ذلك فليفهم . آفات العزلة اعلم أن من المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد بالاستعانة بالغير ، ولا يحصل ذلك إلا بالمخالطة . فكل ما يستفاد من المخالطة يفوت بالعزلة ، وفواته من آفات العزلة . فانظر إلى فوائد المخالطة ، والدواعي إليها ما هي ، وهي التعليم والتعلم ، والنفع والانتفاع ، والتأديب والتأدب والاستئناس والإيناس ، ونيل الثواب وإنالته في القيام بالحقوق ، واعتياد التواضع واستفادة التجارب من مشاهدة الأحوال والاعتبار بها . فلنفصل ذلك ، فإنها من فوائد المخالطة وهي سبع الفائدة الأولى التعليم والتعلم . وقد ذكرنا فضلهما في كتاب العلم . وهما أعظم العبادات في الدنيا ، ولا يتصور ذلك إلا بالمخالطة . إلا أن العلوم كثيرة ، وعن بعضها مندوحة ، وبعضها ضروري في الدنيا . فالمحتاج إلى التعلم لما هو فرض عليه عاص بالعزلة . وإن تعلم الفرض ، وكان لا يتأتى منه الخوض في العلوم ، ورأى الاشتغال بالعبادة فليعتزل . وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل ، فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران . ولهذا قال النخعي وغيره . تفقه ثم اعتزل . ومن اعتزل قبل التعلم فهو في الأكثر مضيع أوقاته بنوم أو فكر في هوس وغايته أن يستغرق الأوقات بأوراد يستوعبها ، ولا ينفك في أعماله بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور يخيب سعيه ، ويبطل عمله بحيث لا يدرى . ولا ينفك اعتقاده في الله وصفاته عن أوهام يتوهمها ، ويأنس بها ، وعن خواطر فاسدة تعتريه فيها ، فيكون في أكثر أحواله ضحكة للشيطان ، وهو يرى نفسه من العبّاد ، فالعلم هو أصل الدين ، فلا خير في عزلة العوام والجهال ، اعني من لا يحسن العبادة في الخلوة ، ولا يعرف جميع ما يلزمه فيها