الغزالي

80

إحياء علوم الدين

فمثال النفس مثال مريض يحتاج إلى طبيب متلطف يعالجه . فالمريض الجاهل إذا خلا بنفسه عن الطبيب قبل أن يتعلم الطب ، تضاعف لا محالة مرضه . فلا تليق العزلة إلا بالعالم وأما التعليم ففيه ثواب عظيم ، مهما صحت نية المعلم والمتعلم . ومهما كان القصد إقامة الجاه والاستكثار بالأصحاب والأتباع ، فهو هلاك الدين . وقد ذكرنا وجه ذلك في كتاب العلم وحكم العالم في هذا الزمان أن يعتزل إن أراد سلامة دينه فإنه لا يرى مستفيدا يطلب فائدة لدينه ، بل لا طالب إلا لكلام مزخرف ، يستميل به العوام في معرض الوعظ أو لجدل معقد يتوصل به إلى إفحام الأقران ، ويتقرب به إلى السلطان ، ويستعمل في معرض المنافسة والمباهاة . وأقرب علم مرغوب فيه المذهب ، ولا يطلب غالبا إلا للتوصل إلى التقدم على الأمثال ، وتولى الولايات ، واجتلاب الأموال . فهؤلاء كلهم يقتضي الدين والحزم الاعتزال عنهم . فإن صودف طالب لله ، ومتقرب بالعلم إلى الله ، فأكبر الكبائر الاعتزال عنه ، وكتمان العلم منه . وهذا لا يصادف في بلدة كبيرة أكثر من واحد أو اثنين إن صودف ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بقول سفيان : تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله فإن الفقهاء يتعلمون لغير الله ، ثم يرجعون إلى الله ، وانظر إلى أواخر أعمار الأكثرين منهم واعتبرهم أنهم ماتوا وهم هلكى على طلب الدنيا ، ومتكالبون عليها ، أو راغبون عنها وزاهدون فيها ، وليس الخبر كالمعاينة واعلم أن العلم الذي أشار إليه سفيان ، هو علم الحديث وتفسير القرءان ، ومعرفة سير الأنبياء والصحابة . فإن فيها التخويف والتحذير ، وهو سبب لإثارة الخوف من الله ، فإن لم يؤثر في الحال أثر في المآل . وأما الكلام والفقه المجرد ، الذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل الخصومات المذهب منه والخلاف ، لا يرد الراغب فيه للدنيا إلى الله . بل لا يزال متماديا في حرصه إلى آخر عمره . ولعل ما أودعناه هذا الكتاب ، إن تعلمه المتعلم رغبة في الدنيا ، فيجوز أن يرخص فيه ، إذ يرجى أن ينزجر به في آخر عمره ، فإنه مشحون بالتخويف باللَّه ، والترغيب في الآخرة ، والتحذير من الدنيا . وذلك مما يصادف في الأحاديث وتفسير القرءان ، ولا يصادف في كلام ، ولا في خلاف ، ولا في مذهب . فلا ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه ، فإن المقصر العالم بتقصيره أسعد حالا من الجاهل المغرور ، أو المتجاهل المغبون .