الغزالي
74
إحياء علوم الدين
قلت فإن دخل على بيتي ؟ قال « فادخل مسجدك واصنع هكذا » وقبض على الكوع « وقل ربّي الله حتّى تموت » وقال سعد لما دعي إلى الخروج أيام معاوية : لا . إلا أن تعطو بي سيفا له عينان بصيرتان ، ولسان ينطق بالكافر فأقتله ، وبالمؤمن فأكف عنه . وقال مثلنا ومثلكم ، كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء ، فبينما هم كذلك يسيرون ، إذ هاجت ريح عجّاجة ، فضلوا الطريق ، فالتبس عليهم . فقال بعضهم الطريق ذات اليمين ، فأخذوا فيها ، فتاهوا وضلوا . وقال بعضهم ذات الشمال ، فأخذوا فيها ، فتاهوا وضلوا . وأناخ آخرون ، وتوقفوا حتى ذهبت الريح ، وتبينت الطريق ، فسافروا . فاعتزل سعد وجماعة معه ، فارقوا الفتن ، ولم يخالطوا إلا بعد زوال الفتن وعن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه لما بلغه [ 1 ] أن الحسين رضي الله عنه توجه إلى العراق تبعه فلحقه على مسيرة ثلاثة أيام . فقال له أين تريد ؟ فقال العراق فإذا معه طوامير وكتب فقال هذه كتبهم وبيعتهم ، فقال لا تنظر إلى كتبهم ، ولا تأتهم ، فأبى . فقال إني أحدثك حديثا ، إن جبريل أتى النبي صلَّى الله عليه وسلم ، فخيره بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة على الدنيا ، وإنك بضعة من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، والله لا يليها أحد منكم أبدا وما صرفها عنكم إلا للذي هو خير لكم . فأبى أن يرجع ، فاعتنقه ابن عمرو بكى ، وقال أستودعك الله من قتيل أو أسير . وكان في الصحابة عشرة آلاف ، فما خف أيام الفتنة أكثر من أربعين رجلا : وجلس طاوس في بيته . فقيل له في ذلك ، فقال فساد الزمان ، وحيف الأئمّة ولما بني عروة قصره بالعقيق ولزمه ، قيل له لزمت القصر ، وتركت مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ؟ فقال رأيت مساجدكم لاهية ، وأسواقكم لاغية ، والفاحشة في فجاجكم عالية وفيما هناك عما أنتم فيه عافية . فإذا الحذر من الخصومات ومثارات الفتن إحدى فوائد العزلة