الغزالي
75
إحياء علوم الدين
الفائدة الرابعة الخلاص من شر الناس ، فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة ، ومرة بسوء الظن والتهمة ، ومرة بالاقتراحات والأطماع الكاذبة ، التي يعسر الوفاء بها ، وتارة بالنميمة أو الكذب ، فربما يرون منك من الأعمال أو الأقوال ما لا تبلغ عقولهم كنهه ، فيتخذون ذلك ذخيرة عندهم ، يدخرونها لوقت تظهر فيه فرصة للشر ، فإذا اعتزلتهم استغنيت من التحفظ عن جميع ذلك . ولذلك قال بعض الحكماء لغيره : أعلمك بيتين خير من عشرة آلاف درهم . قال ما هما ؟ قال اخفض الصوت إن نطقت بليل والتفت بالنهار قبل المقال ليس للقول رجعة حين يبدو بقبيح يكون أو بجمال ولا شك أن من اختلط بالناس ، وشاركهم في أعمالهم ، لا ينفك من حاسد وعدو يسيء الظن به ، ويتوهم أنه يستعد لمعاداته ، ونصب المكيدة عليه ، وتدسيس غائلة وراءه . فالناس مهما اشتد حرصهم على أمر ، يحسبون كل صيحة عليهم ، هم العدو فاحذرهم . وقد اشتد حرصهم على الدنيا ، فلا يظنون بغيرهم إلا الحرص عليها . قال المتنبي إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم وعادى محبيه بقول عداته فأصبح في ليل من الشك مظلم وقد قيل : معاشرة الأشرار تورث سوء الظن بالأبرار . وأنواع الشر الذي يلقاه الإنسان من معارفه ، وممن يختلط به كثيرة . ولسنا نطول بتفصيلها . ففيما ذكرناه إشارة إلى مجامعها وفي العزلة خلاص من جميعها . وإلى هذا أشار الأكثر ممن اختار العزلة ، فقال أبو الدرداء أخبر تقله يروى مرفوعا . وقال الشاعر من حمد الناس ولم يبلهم ثم بلادهم ذم من يحمد وصار بالوحدة مستأنسا يوحشه الأقرب والأبعد وقال عمر رضي الله عنه : في العزلة راحة من القرين السوء . وقيل لعبد الله بن الزبير ألا تأتي المدينة فقال ما بقي فيها إلا حاسد نعمة ، أو فرح بنقمة . وقال ابن السماك