الغزالي

72

إحياء علوم الدين

وترك صوم رمضان كله لا يقتضيه . ولا سبب له إلا أن الصلاة تتكرر ، والتساهل فيها مما يكثر ، فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب . وذلك لو لبس الفقيه ثوبا من حرير أو خاتما من ذهب ، أو شرب من إناء فضة ، استبعدته النفوس ، واشتد إنكارها ، وقد يشاهد في مجلس طويل ، لا يتكلم إلا بما هو اغتياب للناس ، ولا يستبعد منه ذلك ، والغيبة أشد من الزنا ، فكيف لا تكون أشد من لبس الحرير ! ولكن كثرة سماع الغيبة ، ومشاهدة المغتابين ، أسقط وقعها عن القلوب ، وهون على النفس أمرها فتفطن لهذه الدقائق ، وفر من الناس فرارك من الأسد ، لأنك لا تشاهد منهم إلا ما يزيد في حرصك على الدنيا ، وغفلتك عن الآخرة ، ويهون عليك المعصية ، ويضعف رغبتك في الطاعة . فإن وجدت جليسا يذكرك الله رؤيته وسيرته ، فالزمه ولا تفارقه ، واغتنمه ولا تستحقره ، فإنها غنيمة العاقل ، وضالة المؤمن . وتحقق أن الجليس الصالح خير من الوحدة وأن الوحدة خير من الجليس السوء . ومهما فهمت هذه المعاني ، ولاحظت طبعك ، والتفتّ إلى حال من أردت مخالطته ، لم يخف عليك أن الأولى التباعد عنه بالعزلة ، أو التقرب إليه بالخلطة . وإياك أن تحكم مطلقا على العزلة ، أو على الخلطة . بأن إحداهما أولى . إذ كلّ مفصل فإطلاق القول فيه بلا أو نعم خلف من القول محض ، ولا حق في المفصل إلا التفصيل . الفائدة الثالثة الخلاص من الفتن والخصومات ، وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها ، والتعرض لأخطارها فقلما تخلوا البلاد عن تعصبات ، وفتن وخصومات ، فالمعتزل عنهم في سلامة منها . قال عبد الله ابن عمرو بن العاص : لما ذكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] الفتن ووصفها ، وقال « إذا رأيت النّاس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا » وشبك بين أصابعه ، قلت هكذا فما تأمرني ؟ فقال « الزم بيتك وأملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر الخاصّة ودع عنك أمر العامّة »