الغزالي
71
إحياء علوم الدين
يعلق بالثوب ولا يشعر به ، فكذلك يسهل الفساد على القلب وهو لا يشعر به . وقال « مثل الجليس الصّالح مثل صاحب المسك إن لم يهب لك منه تجد ريحه » ولهذا أقول : من عرف من عالم زلة ، حرم عليه حكايتها لعلتين ، إحداهما أنها غيبة ، والثانية ، وهي أعظمهما أن حكايتها تهون على المستمعين أمر تلك الزلة ، ويسقط من قلوبهم استعظامهم الإقدام عليها ، فيكون ذلك سببا لتهوين تلك المعصية : فإنه مهما وقع فيها فاستنكر ذلك ، دفع الاستنكار وقال ، كيف يستبعد هذا منا وكلنا مضطرون إلى مثله ، حتى العلماء والعباد . ولو اعتقد أن مثل ذلك لا يقدم عليه عالم ، ولا يتعاطاه موفق معتبر ، لشق عليه الإقدام . فكم من شخص يتكالب على الدنيا ، ويحرص على جمعها ، ويتهالك على حب الرئاسة وتزيينها ويهون على نفسه قبحها ، ويزعم أن الصحابة رضي الله عنهم لم ينزهوا أنفسهم عن حب الرئاسة ، وربما يستشهد عليه بقتال على ومعاوية ، ويخمن في نفسه أن ذلك لم يكن لطلب الحق ، بل لطلب الرئاسة ، فهذا الاعتقاد خطأ يهون عليه أمرّ الرئاسة ، ولوازمها من المعاصي والطبع اللئيم يميل إلى اتباع الهفوات ، والإعراض عن الحسنات . بل إلى تقدير الهفوة فيما لا هفوة فيه ، بالتنزيل على مقتضى الشهوة ، ليتعلل به . وهو من دقائق مكايد الشيطان ولذلك وصف الله المراغمين للشيطان فيها بقوله * ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ُ ) * « 1 » وضرب صلَّى الله عليه وسلم لذلك مثلا [ 1 ] وقال « مثل الَّذي يجلس يستمع الحكمة ثمّ لا يعمل إلَّا بشرّ ما يستمع كمثل رجل أتى راعيا فقال له يا راعى أجرر لي شاة من غنمك فقال اذهب فخذ خير شاة فيها فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم » وكل من ينقل هفوات الأئمة فهذا مثاله أيضا . ومما يدل على سقوط وقع الشيء عن القلب بسبب تكرره ومشاهدته ، أن أكثر الناس إذا رأوا مسلما أفطر في نهار رمضان ، استبعدوا ذلك منه استبعادا يكاد يفضي إلى اعتقادهم كفره . وقد يشاهدون من يخرج الصلوات عن أوقاتها ، ولا تنفر عنه طباعهم ، كنفرتهم عن تأخير الصوم . مع أن صلاة واحدة ، يقتضي تركها الكفر عند قوم ، وحز الرقبة عند قوم
--> « 1 » الزمر : 18