الغزالي

70

إحياء علوم الدين

وإنما الوازع عنه شدة وقعه في القلب ، فإذا صار مستصغرا بطول المشاهدة ، أو شك أن تنحل القوة الوازعة ، ويذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه . ومهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره ، استحقر الصغائر من نفسه . ولذلك يزدرى الناظر إلى الأغنياء نعمة الله عليه فتؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده ، وتؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما أتيح له من النعم . وكذلك النظر إلى المطيعين والعصاة ، هذا تأثيره في الطبع ، فمن يقصر نظره على ملاحظة أحوال الصحابة والتابعين في العبادة والتنزه عن الدنيا ، فلا يزال ينظر إلى نفسه بعين الاستصغار ، وإلى عبادته بعين الاستحقار . وما دام يرى نفسه مقصرا ، فلا يخلو عن داعية الاجتهاد ، رغبة في الاستكمال ، واستتماما للاقتداء . ومن نظر إلى الأحوال الغالبة على أهل الزمان ، وإعراضهم عن الله ، وإقبالهم على الدنيا ، واعتيادهم المعاصي ، استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه ، وذلك هو الهلاك . ويكفي في تغيير الطبع مجرد سماع الخير والشر فضلا عن مشاهدته . وبهذه الدقيقة يعرف سر قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « عند ذكر الصّالحين تنزل الرّحمة » وإنما الرحمة دخول الجنة ولقاء الله . وليس ينزل عند الذكر عين ذلك ولكن سببه ، وهو انبعاث الرغبة من القلب ، وحركة الحرص على الاقتداء بهم ، والاستنكاف عما هو ملابس له من القصور والتقصير . ومبدأ الرحمة فعل الخير ، ومبدأ فعل الخير الرغبة ومبدأ الرغبة ذكر أحوال الصالحين . فهذا معنى نزول الرحمة والمفهوم من فحوى هذا الكلام عند الفطن ، كالمفهوم من عكسه ، وهو أن عند ذكر الفاسقين تنزل اللعنة ، لأن كثرة ذكرهم تهون على الطبع أمر المعاصي ، واللعنة هي البعد ومبدأ البعد من الله هو المعاصي والإعراض عن الله ، بالإقبال على الحظوظ العاجلة ، والشهوات الحاضرة ، لا على الوجه المشروع . ومبدأ المعاصي سقوط ثقلها وتفاحشها عن القلب ، ومبدأ سقوط الثقل وقوع الأنس بها بكثرة السماع . وإذا كان هذا حال ذكر الصالحين والفاسقين فما ظنك بمشاهدتهم ؟ بل قد صرح بذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلم حيث قال [ 2 ] « مثل الجليس السّوء كمثل الكير إن لم يحرقك بشرره علق بك من ريحه » فكما أن الريح