الغزالي

191

إحياء علوم الدين

فيعدل إلى الغناء الذي لا يستحق هذه المراقبة والمراعاة ، ولذلك لا يجوز الضرب بالدف مع قراءة القرءان ليلة العرس ، وقد أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] بضرب الدف في العرس ، فقال « أظهر والنّكاح ولو بضرب الغربال » أو بلفظ هذا معناه وذلك جائز مع الشعر دون القرءان ، ولذلك لما دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] بيت الربيع بنت معوذ ، وعندها جوار يغنين ، فسمع إحداهن تقول : وفينا نبي يعلم ما في غد ، على وجه الغناء ، فقال صلَّى الله عليه وسلم « دعي هذا وقولي ما كنت تقولين » وهذه شهادة بالنبوّه ، فزجرها عنها وردها إلى الغناء الذي هو لهو ، لأن هذا جد محض ، فلا يقرن بصورة اللهو ، فإذا يتعذر بسببه تقوية الأسباب التي بها يصير السماع محركا للقلب فواجب في الاحترام العدول إلى الغناء عن القرءان ، كما وجب على تلك الجارية العدول عن شهادة النبوة إلى الغناء الوجه السادس : أن المغني قد يغنى ببيت لا يوافق حال السامع فيكرهه ، وينهاه عنه ويستدعى غيره ، فليس كل كلام موافقا لكل حال ، فلو اجتمعوا في الدعوات على القارئ فربما يقرأ آية لا توافق حالهم ، إذ القرءان شفاء للناس كلهم على اختلاف الأحوال ، فآيات الرحمة شفاء الخائف ، وآيات العذاب شفاء المغرور الآمن ، وتفصيل ذلك مما يطول ، فإذا لا يؤمن أن لا يوافق المقروء الحال ، وتكرهه النفس ، فيتعرض به لخطر كراهة كلام الله تعالى من حيث لا يجد سبيلا إلى دفعه ، فالاحتراز عن خطر ذلك حزم بالغ وحتم واجب إذ لا يجد الخلاص عنه إلا بتنزيله على وفق حاله ، ولا يجوز تنزيل كلام الله تعالى إلا على ما أراد الله تعالى ، وأما قول الشاعر فيجوز تنزيله على غير مراده ، ففيه خطر الكراهة ، أو خطر التأويل الخطأ ، لموافقة الحال فيجب توقير كلام الله وصيانته عن ذلك ، هذا ما ينقدح لي في علل انصراف الشيوخ إلى سماع الغناء عن سماع القرءان وهاهنا وجه سابع ذكره أبو نصر السراج الطوسي في الاعتذار عن ذلك ، فقال : القرءان كلام الله وصفة من صفاته ، وهو حق لا تطيقه البشرية ، لأنه غير مخلوق ، فلا تطيقه الصفات المخلوقة ، ولو كشف للقلوب ذرة من معناه وهيبته لتصدعت ودهشت وتحيرت ، والألحان