الغزالي
192
إحياء علوم الدين
الطيبة مناسبة للطباع ، ونسبتها نسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق ، والشعر نسبته نسبة الحظوظ فإذا علقت الألحان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف شاكل بعضها بعضا ، كان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب ، لمشاكلة المخلوق المخلوق ، فما دامت البشرية باقية ، ونحن بصفاتنا وحظوظنا نتنعم بالنغمات الشحبية ، والأصوات الطيبة ، فانبساطنا لمشاهدة بقاء هذه الحظوظ إلى القصائد أولى من انبساطنا إلى كلام الله تعالى ، الذي هو صفته وكلامه ، الذي منه بدأ وإليه يعود ، هذا حاصل المقصود من كلامه واعتذاره وقد حكي عن أبي الحسن الدرّاج أنه قال : قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد للزيارة والسلام عليه ، فلما دخلت الريّ كنت أسأل عنه ، فكل من سألته عنه قال أيش تعمل بذلك الزنديق ؟ فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف ، ثم قلت في نفسي قد جبت هذا الطريق كله فلا أقل من أن أراه ، فلم أزل أسأل عنه حتى دخلت عليه في مسجد وهو قاعد في المحراب ، وبين يديه رجل وبيده مصحف وهو يقرأ ، فإذا هو شيخ بهيّ ، حسن الوجه واللحية ، فسلمت عليه ، فأقبل عليّ وقال : من أين أقبلت ؟ فقلت : من بغداد فقال : وما الذي جاء بك ؟ فقلت : قصدتك للسلام عليك ، فقال : لو أن في بعض هذه البلدان قال لك إنسان أقم عندنا حتى نشتري لك دارا أو جارية أكان يقعدك ذلك عن المجيء ؟ فقلت : ما امتحنني الله بشيء من ذلك ، ولو امتحنني ما كنت أدرى كيف أكون ، ثم قال لي أتحسن أن تقول شيئا ؟ فقلت نعم . فقال : هات فأنشأت أقول رأيتك تبنى دائما في قطيعتي ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبنى كأني بكم والليت أفضل قولكم ألا ليتنا كنا إذ الليت لا يغنى قال : فأطبق المصحف ، ولم يزل يبكى حتى ابتلت لحيته وابتل ثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه ، ثم قال يا بنيّ تلوم أهل الريّ يقولون : يوسف زنديق ، هذا أنا من صلاة الغداة أقرأ في المصحف لم تقطر من عيني قطرة ، وقد قامت القيامة علىّ لهذين البيتين ، فإذا القلوب وإن كانت محترقة في حب الله تعالى ، فإن البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرءان وذلك لوزن الشعر ومشاكلته للطباع ، ولكونه مشاكلا للطبع اقتدر البشر على نظم الشعر ، وأما القرءان فنظمه خارج عن أساليب الكلام ومنهاجه ، وهو لذلك معجز لا يدخل في قوة البشر ، لعدم مشاكلته لطبعه