الغزالي

190

إحياء علوم الدين

إلا في كونه غريبا جديدا ، ولكل جديد لذة ، ولكل طارئ صدمة ، ومع كل مألوف أنس يناقض الصدمة ، ولذا همّ عمر رضي الله عنه أن يمنع الناس من كثرة الطواف ، وقال قد خشيت أن يتهاون الناس بهذا البيت ، أي يأنسوا به ، ومن قدم حاجا فرأى البيت أوّلا بكى وزعق وربما غشى عليه إذ وقع عليه بصره وقد يقيم بمكة شهرا ، ولا يحس من ذلك في نفسه بأثر ، فإذا المغني يقدر على الأبيات الغريبة في كل وقت ، ولا يقدر في كل وقت على آية غريبة الوجه الثالث : أن لوزن الكلام بذوق الشعر تأثيرا في النفس ، فليس الصوت الموزون الطيب كالصوت الطيب الذي ليس بموزون ، وإنما يوجد الوزن في الشعر دون الآيات ولو زحف المغني البيت الذي ينشده ، أو لحن فيه ، أو مال عن حد تلك الطريقة في اللحن لاضطرب قلب المستمع ، وبطل وجده وسماعه ، ونفر طبعه لعدم المناسبة ، وإذا نفر الطبع اضطرب القلب وتشوش ، فالوزن إذا مؤثر ، فلذلك طاب الشعر الوجه الرابع : أن الشعر الموزون يختلف تأثيره في النفس بالألحان التي تسمى الطرق والدستانات ، وإنما اختلاف تلك الطرق بمد المقصور وقصر الممدود ، والوقف في أثناء الكلمات ، والقطع والوصل في بعضها ، وهذا التصرف جائز في الشعر ، ولا يجوز في القرءان إلا التلاوة كما أنزل ، فقصره ومده والوقف والوصل والقطع فيه على خلاف ما تقتضيه التلاوة حرام أو مكروه ، وإذا رتل القرءان كما أنزل سقط عنه الأثر الذي سببه وزن الألحان وهو سبب مستقل بالتأثير ، وإن لم يكن مفهوما كما في الأوتار والمزمار والشاهين وسائر الأصوات التي لا تفهم الوجه الخامس : أن الألحان الموزونة تعضد وتؤكد بإيقاعات وأصوات أخر موزونة خارج الحلق كالضرب بالقضيب والدف وغيره ، لأن الوجد الضعيف لا يستثار إلا بسبب قوي ، وإنما يقوى بمجموع هذه الأسباب ولكل واحد منها حظ في التأثير ، وواجب أن يصان القرءان عن مثل هذه القرائن ، لأن صورتها عند عامة الخلق صورة اللهو واللعب والقرءان جد كله عند كافة الخلق ، فلا يجوز أن يمزج بالحق المحض ما هو لهو عند العامة وصورته صورة اللهو عند الخاصة ، وإن كانوا لا ينظرون إليها من حيث إنها لهو ، بل ينبغي أن يوقر القرءان فلا يقرأ على شوارع الطرق ، بل في مجلس ساكن ، ولا في حال الجنابة ولا على غير طهارة ، ولا يقدر على الوفاء بحق حرمة القرءان في كل حال ، إلا المراقبون لأحوالهم