الغزالي

181

إحياء علوم الدين

وإلى مثل هذا الكشف الإشارة بقوله عليه السلام [ 1 ] « لولا أنّ الشّياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السّماء » وإنما تحوم الشياطين على القلوب إذا كانت مشحونة بالصفات المذمومة ، فإنها مرعى الشيطان وجنده ، ومن خلَّص قلبه من تلك الصفات وصفّاه ، لم يطف الشيطان حول قلبه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) * « 1 » وبقوله تعالى * ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) * « 2 » والسماع سبب لصفاء القلب ، وهو شبكة للحق بواسطة الصفاء ، وعلى هذا يدل ما روي أن ذا النون المصري رحمه الله دخل بغداد ، فاجتمع إليه قوم من الصوفية ومعهم قوال ، فاستأذنوه في أن يقول لهم شيئا فأذن لهم في ذلك فأنشأ يقول صغير هواك عذبني فكيف به إذا احتنكا وأنت جمعت في قلبي هوى قد كان مشتركا أما ترثي لمكتئب إذا أضحك الخلي بكى فقام ذو النون وسقط على وجهه ، ثم قام رجل آخر ، فقال ذو النون الذي يراك حين تقوم ، فجلس ذلك الرجل وكان ذلك اطلاعا من ذي النون على قلبه أنه متكلف متواجد فعرّفه أن الذي يراه حين يقوم هو الخصم في قيامه لغير الله تعالى ، ولو كان الرجل صادقا لما جلس فإذا قد رجع حاصل الوجد إلى مكاشفات وإلى حالات واعلم أن كل واحد منهما ينقسم إلى ما يمكن التعبير عنه عند الإفاقة منه ، وإلى ما لا تمكن العبارة عنه أصلا ، ولعلك تستبعد حالة أو علما لا تعلم حقيقته ، ولا يمكن التعبير عن حقيقته ، فلا تستبعد ذلك ، فإنك تجد في أحوالك القريبة لذلك شواهد أما العلم : فكم من فقيه تعرض عليه مسألتان متشابهتان في الصورة ، ويدرك الفقيه بذوقه أن بينهما فرقا في الحكم ، وإذا كلف ذكر وجه الفرق لم يساعده اللسان على التعبير وإن كان من أفصح الناس فيدرك بذوقه الفرق ولا يمكنه التعبير عنه ، وإدراكه الفرق

--> « 1 » الحجر : 40 « 2 » الحجر : 42