الغزالي

182

إحياء علوم الدين

علم يصادفه في قلبه بالذوق ، ولا يشك في أن لوقوعه في قلبه سببا ، وله عند الله تعالى حقيقة ، ولا يمكنه الإخبار عنه لا لقصور في لسانه ، بل لدقة المعنى في نفسه عن أن تناله العبارة ، وهذا مما قد تفطن له المواظبون على النظر في المشكلات وأما الحال : فكم من إنسان يدرك في قلبه في الوقت الذي يصبح فيه قبضا أو بسطا ولا يعلم سببه ، وقد يتفكر إنسان في شيء فيؤثر في نفسه أثرا فينسى ذلك السبب ، ويبقى الأثر في نفسه وهو يحس به ، وقد تكون الحالة التي يحسها سرورا ثبت في نفسه ، بتفكره في سبب موجب للسرور ، أو حزنا فينسى المتفكَّر فيه ، ويحس بالأثر عقيبه ، وقد تكون تلك الحالة حالة غريبة لا يعرب عنها لفظ السرور والحزن ، ولا يصادف لها عبارة مطابقة مفصحة عن المقصود ، بل ذوق الشعر الموزون ، والفرق بينه وبين غير الموزون يختص به بعض الناس دون بعض ، وهي حالة يدركها صاحب الذوق ، بحيث لا يشك فيها ، أعنى التفرقة بين الموزون والمنزحف ، فلا يمكنه التعبير عنها بما يتضح مقصوده به لمن لا ذوق له ، وفي النفس أحوال غريبة هذا وصفها ، بل المعاني المشهورة من الخوف والحزن والسرور ، إنما تحصل في السماع عن غناء مفهوم ، وأما الأوتار وسائر النغمات التي ليست مفهومة ، فإنها تؤثر في النفس تأثيرا عجيبا ، ولا يمكن التعبير عن عجائب تلك الآثار ، وقد يعبر عنها بالشوق ولكن شوق لا يعرف صاحبه المشتاق إليه فهو عجيب ، والذي اضطرب قلبه بسماع الأوتار أو الشاهين وما أشبهه ، ليس يدرى إلى ما ذا يشتاق ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمرا ليس يدرى ما هو ، حتى يقع ذلك للعوام ، ومن لا يغلب على قلبه لا حب آدمي ولا حب الله تعالى ، وهذا له سر ، وهو أن كل شوق فله ركنان أحدهما : صفة المشتاق وهو نوع مناسبة مع المشتاق إليه والثاني : معرفة المشتاق إليه ، ومعرفة صورة الوصول إليه ، فإن وجدت الصفة التي بها الشوق ، ووجد العلم بصورة المشتاق إليه ، كان الأمر ظاهرا ، وإن لم يوجد العلم بالمشتاق ووجدت الصفة المشوقة وحركت قلبك الصفة واشتعلت نارها ، أورث ذلك دهشة وحيرة لا محالة ، ولو نشأ آدمي وحده بحيث لم ير صورة النساء ، ولا عرف صورة الوقاع ، ثم راهق الحلم