الغزالي

169

إحياء علوم الدين

فاللهو دواء القلب من داء الأعياء والملال ، فينبغي أن يكون مباحا ، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه كما لا يستكثر من الدواء ، فإذا اللهو على هذه النية يصير قربة ، هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها ، بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة فينبغي أن يستحب له ذلك ليتوصل به إلى المقصود الذي ذكرناه ، نعم : هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال ، فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق ، ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ومن أحاط بعلم علاج القلوب ، ووجوه التلطف بها لسياقتها إلى الحق ، علم قطعا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غنى عنه . الباب الثاني في آثار السماع وآدابه اعلم أن أول درجة السماع فهم المسموع وتنزيله على معنى يقع للمستمع ، ثم يثمر الفهم الوجد ، ويثمر الوجد الحركة بالجوارح ، فلينظر في هذه المقامات الثلاثة المقام الأول في الفهم وهو يختلف باختلاف أحوال المستمع ، وللمستمع أربعة أحوال إحداها : أن يكون سماع بمجرد الطبع ، أي لاحظ له في السماع إلا استلذاذ الألحان والنغمات وهذا مباح ، وهو أخس رتب السماع ، إذ الإبل شريكة له فيه وكذا سائر البهائم ، بل لا يستدعى هذا الذوق إلا الحياة ، فلكل حيوان نوع تلذذ بالأصوات الطيبة الحالة الثانية : أن يسمع بفهم ولكن ينزله على صورة مخلوق إما معينا ، وإما غير معين وهو سماع الشباب وأرباب الشهوات ، ويكون تنزيلهم للمسموع على حسب شهواتهم ومقتضى أحوالهم ، وهذه الحالة أخس من أن نتكلم فيها إلا ببيان خستها والنهي عنها الحالة الثالثة : أن ينزل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملته لله تعالى ، وتقلب أحواله في التمكن مرة والتعذر أخرى ، وهذا سماع المريدين لا سيما المبتدئين ، فإن للمريد لا محالة مرادا هو مقصده ، ومقصده معرفة الله سبحانه ، ولقاؤه والوصول إليه بطريق المشاهدة