الغزالي
170
إحياء علوم الدين
بالسر وكشف الغطاء ، وله في مقصده طريق هو سالكه ، ومعاملات هو مثابر عليها وحالات تستقبله في معاملاته ، فإذا سمع ذكر عتاب أو خطاب ، أو قبول أو رد أو وصل أو هجر ، أو قرب أو بعد ، أو تلهف على فائت أو تعطش إلى منتظر ، أو شوق إلى وارد أو طمع أو يأس ، أو وحشة أو استئناس ، ووفاء بالوعد ، أو نقض للعهد ، أو خوف فراق ، أو فرح بوصال ، أو ذكر ملاحظة الحبيب ، ومدافعة الرقيب ، أو همول العبرات أو ترادف الحسرات ، أو طول الفراق ، أو عدة الوصال ، أو غير ذلك مما يشتمل على وصفه الأشعار ، فلا بد أن يوافق بعضها حال المريد في طلبه ، فيجري ذلك مجرى القدح الذي يورى زناد قلبه ، فتشتعل به نيرانه ، ويقوى به انبعاث الشوق وهيجانه ، ويهجم عليه بسببه أحوال مخالفة لعادته ، ويكون له مجال رحب في تنزيل الألفاظ على أحواله ، وليس على المستمع مراعاة مراد الشاعر من كلامه ، بل لكل كلام وجوه ، ولكل ذي فهم في اقتباس المعنى منه حظوظ ، ولنضرب لهذه التنزيلات والفهوم أمثلة كي لا يظن الجاهل أن المستمع لأبيات فيها ذكر الفم والخد والصدغ إنما يفهم منها ظواهرها ، ولا حاجة بنا إلى ذكر كيفية فهم المعاني من الأبيات ، ففي حكايات أهل السماع ما يكشف عن ذلك فقد حكى أن بعضهم سمع قائلا يقول : قال الرسول غدا تزور فقلت تعقل ما تقول فاستفزه اللحن والقول ، وتواجد وجعل يكرر ذلك ويجعل مكان التاء نونا ، فيقول قال الرسول غدا نزور ، حتى غشي عليه من شدة الفرح واللذة والسرور ، فلما أفاق سئل عن وجده ممّ كان ، فقال ذكرت قول الرسول صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] إن أهل الجنة يزورون ربهم في كل يوم جمعة مرة وحكى الرقي عن ابن الدراج أنه قال كنت أنا وابن الفوطي مارين على دجلة بين البصرة والأبلة ، فإذا بقصر حسن له منظرة ، وعليه رجل بين يديه جارية تغني وتقول كل يوم تتلون غير هذا بك أحسن