الغزالي

166

إحياء علوم الدين

والمنع في ألف موضع محتمل للتأويل ومحتمل للتنزيل ، أما الفعل فلا تأويل له ، إذ ما حرم فعله إنما يحل بعارض الإكراه فقط ، وما أبيح فعله يحرم بعوارض كثيرة حتى النيات والقصود واحتجوا بما روى عقبة بن عامر أن النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] قال « كلّ شيء يلهو به الرّجل فهو باطل إلَّا تأديبه فرسه ورميه بقوسه وملاعبته لامرأته » قلنا : فقوله باطل لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة ، وقد يسلم ذلك على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة خارج عن هذه الثلاثة وليس بحرام ، بل يلحق بالمحصور غير المحصور قياسا كقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « لا يحلّ دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث » فإنه يلحق به رابع وخامس : فكذلك ملاعبة امرأته لا فائدة له إلا التلذذ ، وفي هذا دليل على أن التفرج في البساتين ، وسماع أصوات الطيور ، وأنواع المداعبات ، مما يلهو به الرجل لا يحرم عليه شيء منها وإن جاز وصفه بأنه باطل واحتجوا بقول عثمان رضي الله عنه : ما تغنيت ، ولا تمنيت ، ولا مسست ذكرى بيميني مذ بايعت بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قلنا : فليكن التمني ، ومس الذكر باليمنى حراما ، إن كان هذا دليل تحريم الغناء ، فمن أين يثبت أن عثمان رضي الله عنه كان لا يترك إلا الحرام واحتجوا بقول ابن مسعود رضي الله عنه [ 3 ] الغناء ينبت في القلب النفاق ، وزاد بعضهم كما ينبت الماء البقل ، ورفعه بعضهم إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، وهو غير صحيح قالوا ومر على ابن عمر رضي الله عنهما قوم محرمون وفيهم رجل يتغنى ، فقال : ألا لا أسمع الله لكم ألا لا أسمع الله لكم