الغزالي
167
إحياء علوم الدين
وعن نافع أنه قال كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما [ 1 ] في طريق ، فسمع زمارة راع ، فوضع إصبعيه في أذنيه ، ثم عدل عن الطريق ، فلم يزل يقول يا نافع أتسمع ذلك حتى قلت لا فأخرج إصبعيه وقال هكذا رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم صنع ، وقال الفضيل ابن عياض رحمه الله : الغناء رقية الزنا ، وقال بعضهم الغناء رائد من رواد الفجور ، وقال يزيد ابن الوليد : إياكم والغناء ، فإنه ينقص الحياء ، ويزيد الشهوة ، ويهدم المروءة ، وإنه لينوب عن الخمر ، ويفعل ما يفعله السكر ، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء ، فإن الغناء داعية الزنا ، فنقول قول ابن مسعود رضي الله عنه ينبت النفاق أراد به في حق المغني ، فإنه في حقه ينبت النفاق إذ غرضه كله أن يعرض نفسه على غيره ، ويروج صوته عليه ولا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه ، وذلك أيضا لا يوجب تحريما ، فإن لبس الثياب الجميلة وركوب الخيل المهملجة ، وسائر أنواع الزينة والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع ، وغير ذلك ينبت في القلب النفاق والرياء ، ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله ، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط . بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا ، ولذلك نزل عمر رضي الله عنه عن فرس هملج تحته ، وقطع ذنبه ، لأنه استشعر في نفسه الخيلاء لحسن مشيته ، فهذا النفاق من المباحات ، وأما قول ابن عمر رضي الله عنهما ألا لا أسمع الله لكم ، فلا يدل على التحريم من حيث إنه غناء بل كانوا محرمين ، ولا يليق بهم الرفث ، وظهر له من مخايلهم أن سماعهم لم يكن لوجد وشوق إلى زيارة بيت الله تعالى بل لمجرد اللهو فأنكر ذلك عليهم لكونه منكرا بالإضافة إلى حالهم وحال الإحرام ، وحكايات الأحوال تكثر فيها وجوه الاحتمال ، وأما وضعه إصبعيه في أذنيه فيعارضه أنه لم يأمر نافعا بذلك ولا أنكر عليه سماعه ، وإنما فعل ذلك هو لأنه رأى أن ينزه سمعه في الحال وقلبه عن صوت ربما يحرك اللهو ، ويمنعه عن فكر كان فيه أو ذكر هو أولى منه ، وكذلك فعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم مع أنه لم يمنع ابن عمر ، لا يدل أيضا على التحريم ، بل يدل على أن الأولى تركه