الغزالي
158
إحياء علوم الدين
مجازا محضا لا حقيقة ، نعم الناقص القريب في نقصانه من البهيمة ، قد لا يدرك من لفظة العشق إلا طلب الوصال ، الذي هو عبارة عن تماس ظواهر الأجسام ، وقضاء شهوة الوقاع فمثل هذا الحمار ينبغي أن لا يستعمل معه لفظة العشق ، والشوق ، والوصال ، والأنس ، بل يجنب هذه الألفاظ والمعاني ، كما تجنب البهيمة النرجس والريحان ، وتخصص بالقت والحشيش وأوراق القضبان ، فإن الألفاظ إنما يجوز إطلاقها في حق الله تعالى ، إذا لم تكن موهمة معنى يجب تقديس الله تعالى عنه ، والأوهام تختلف باختلاف الأفهام فليتنبه لهذه الدقيقة في أمثال هذه الألفاظ ، بل لا يبعد أن ينشأ من مجرد السماع لصفات الله تعالى وجد غالب ينقطع بسببه نياط القلب ، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] أنه ذكر غلاما كان في بني إسرائيل على جبل ، فقال لأمه . من خلق السماء ؟ قالت الله عز وجل ، قال : فمن خلق الغيم ؟ قالت الله عز وجل ، قال : فمن خلق الجبال ؟ قالت الله عز وجل ، قال : فمن خلق الغيم ؟ قالت الله عز وجل ، قال : إني لأسمع لله شأنا ثم رمى بنفسه من الجبل فتقطع ، وهذا كأنه سمع ما دل على جلال الله تعالى وتمام قدرته فطرب لذلك ووجد ، فرمى بنفسه من الوجد . وما أنزلت الكتب إلا ليطربوا بذكر الله تعالى . قال بعضهم رأيت مكتوبا في الإنجيل غنينا لكم فلم تطربوا ، وزمرنا لكم فلم ترقصوا ، أي شوقنا كم بذكر الله تعالى فلم تشتاقوا ، فهذا ما أردنا أن نذكره من أقسام السماع ، وبواعثه ، ومقتضياته ، وقد ظهر على القطع إباحته في بعض المواضع ، والندب إليه في بعض المواضع . فإن قلت : فهل له حالة يحرم فيها فأقول : إنه يحرم بخمسة عوارض عارض في المسمع ، وعارض في آلة الإسماع ، وعارض في نظم الصوت ، وعارض في نفس المستمع أو في مواظبته ، وعارض في كون الشخص من عوام الخلق ، لأن أركان السماع هي المسمع ، والمستمع ، وآلة الإسماع