الغزالي
159
إحياء علوم الدين
العارض الأول : أن يكون المسمع امرأة لا يحل النظر إليها ، وتخشى الفتنة من سماعها وفي معناها الصبي الأمرد الذي تخشى فتنته ، وهذا حرام لما فيه من خوف الفتنة وليس ذلك لأجل الغناء بل لو كانت المرأة بحيث يفتن بصوتها في المحاورة من غير ألحان فلا يجوز محاورتها ومحادثتها ، ولا سماع صوتها في القرءان أيضا ، وكذلك الصبي الذي تخاف فتنته . فإن قلت : فهل تقول إن ذلك حرام بكل حال حسما للباب ، أو لا يحرم إلا حيث تخاف الفتنة في حق من يخاف العنت فأقول : هذه مسألة محتملة من حيث الفقه يتجاذبها أصلان : أحدهما : أن الخلوة بالأجنبية والنظر إلى وجهها حرام ، سواء خيفت الفتنة أو لم تخف لأنها مظنة الفتنة على الجملة ، فقضى الشرع بحسم الباب من غير التفات إلى الصور . والثاني : أن النظر إلى الصبيان مباح إلا عند خوف الفتنة ، فلا يلحق الصبيان بالنساء في عموم الجسم ، بل يتبع فيه الحال وصوت المرأة دائر بين هذين الأصلين ، فإن قسناه على النظر إليها وجب حسم الباب ، وهو قياس قريب ، ولكن بينهما فرق ، إذ الشهوة تدعو إلى النظر في أول هيجانها ، ولا تدعو إلى سماع الصوت ، وليس تحريك النظر لشهوة المماسة ، كتحريك السماع بل هو أشد ، وصوت المرأة في غير الغناء ليس بعورة فلم تزل النساء في زمن الصحابة رضي الله عنهم يكلمن الرجال في السلام ، والاستفتاء ، والسؤال والمشاورة ، وغير ذلك ، ولكن للغناء مزيد أثر في تحريك الشهوة ، فقياس هذا على النظر إلى الصبيان أولى ، لأنهم لم يؤمروا بالاحتجاب ، كما لم تؤمر النساء بستر الأصوات ، فينبغي أن يتبع مثار الفتن ويقصر التحريم عليه ، هذا هو الأقيس عندي ، ويتأيد بحديث الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة رضي الله عنها إذ يعلم أنه صلَّى الله عليه وسلم كان يسمع أصواتهما ولم يحترز منه ، ولكن لم تكن الفتنة مخوفة عليه ، فلذلك لم يحترز ، فإذا يختلف هذا بأحوال المرأة ، وأحوال الرجل في كونه شابا وشيخا ، ولا يبعد أن يختلف الأمر في مثل هذا بالأحوال ، فإنا نقول للشيخ أن يقبل زوجته وهو صائم ، وليس للشاب ذلك لأن القبلة تدعو إلى الوقاع في الصوم ، وهو محظور والسماع يدعو إلى النظر والمقاربة وهو حرام فيختلف ذلك أيضا بالأشخاص