الغزالي
150
إحياء علوم الدين
وأمثال ذلك ، وطرق الأوزان المشجعة تخالف الطرق المشوقة ، وهذا أيضا مباح في وقت يباح فيه الغزو ، ومندوب إليه في وقت يستحب فيه الغزو ، ولكن في حق من يجوز له الخروج إلى الغزو الثالث : الرجزيات التي يستعملها الشجعان في وقت اللقاء ، والغرض منها التشجيع للنفس وللأنصار ، وتحريك النشاط فيهم للقتال ، وفيه التمدح بالشجاعة والنجدة ، وذلك إذا كان بلفظ رشيق ، وصوت طيب ، كان أوقع في النفس ، وذلك مباح في كل قتال مباح ، ومندوب في كل قتال مندوب ، ومحظور في قتال المسلمين ، وأهل الذمة ، وكل قتال محظور ، لأن تحريك الدواعي إلى المحظور محظور ، وذلك منقول عن شجعان الصحابة رضي الله عنهم كعليّ ، وخالد رضي الله عنهما ، وغيرهما ولذلك نقول ينبغي أن يمنع من الضرب بالشاهين في معسكر الغزاة ، فإن صوته مرقق محزن يحلل عقدة الشجاعة ، ويضعف ضرامة النفس ويشوق إلى الأهل والوطن ، ويورث الفتور في القتال ، وكذا سائر الأصوات والألحان المرفقة للقلب ، فالألحان المرفقة المحزنة تباين الألحان المحركة المشجعة ، فمن فعل ذلك على قصد تغيير القلوب وتفتير الآراء عن القتال الواجب فهو عاص ، ومن فعله على قصد التفتير عن القتال المحظور فهو بذلك مطيع الرابع أصوات النياحة ونغماتها ، وتأثيرها في تهييج الحزن والبكاء ، وملازمة الكآبة والحزن قسمان : محمود ، ومذموم ، فأما المذموم فكالحزن على ما فات ، قال الله تعالى : * ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ) * « 1 » والحزن على الأموات من هذا القبيل ، فإنه تسخط لقضاء الله تعالى ، وتأسف على ما لا تدارك له ، فهذا الحزن لما كان مذموما كان تحريكه بالنياحة مذموما ، فلذلك ورد النهى الصريح [ 1 ] عن النياحة ، وأما الحزن المحمود : فهو حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه ، وبكاؤه على خطاياه ، والبكاء والتباكي والحزن والتحازن على ذلك محمود ، وعليه بكاء آدم عليه السلام ، وتحريك هذا الحزن وتقويته محمود ، لأنه يبعث على
--> « 1 » الحديد : 23