الغزالي
151
إحياء علوم الدين
التشمير للتدارك ، ولذلك كانت نياحة داود عليه السلام محمودة ، إذ كان ذلك مع دوام الحزن وطول البكاء بسبب الخطايا والذنوب ، فقد كان عليه السلام يبكى ويبكى ، ويحزن ويحزن حتى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته ، وكان يفعل ذلك بألفاظه وألحانه ، وذلك محمود ، لأن المقضي إلى المحمود محمود ، وعلى هذا لا يحرم على الواعظ الطيب الصوت أن ينشد على المنبر بألحانه الأشعار المحزنة المرفقة للقلب ، ولا أن يبكى ويتباكى ، ليتوصل به إلى تبكية غيره وإثارة حزنه الخامس : السماع في أوقات السرور تأكيدا للسرور وتهييجا له ، وهو مباح إن كان ذلك السرور مباحا ، كالغناء في أيام العيد ، وفي العرس ، وفي وقت قدوم الغائب ، وفي وقت الوليمة ، والعقيقة ، وعند ولادة المولود ، وعند ختانه ، وعند حفظه القرءان العزيز ، وكل ذلك مباح ، لأجل إظهار السرور به ، ووجه جوازه أن من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب ، فكل ما جاز السرور به جاز إثارة السرور فيه ، ويدل على هذا من النقل إنشاد [ 1 ] النساء على السطوح بالدف والألحان عند قدوم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع فهذا إظهار السرور لقدومه صلَّى الله عليه وسلم وهو سرور محمود ، فإظهاره بالشعر والنغمات والرقص والحركات أيضا محمود ، فقد نقل عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم [ 2 ] حجلوا في سرور أصابهم كما سيأتي في أحكام الرقص ، وهو جائز في قدوم كل قادم يجوز الفرح به ، وفي كل سبب مباح من أسباب السرور ، ويدل على هذا ما روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لقد رأيت النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] يسترني بردائه ، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا الذي أسأمه ، فاقدروا قدر