الغزالي

149

إحياء علوم الدين

فحكمه حكم ما في القلب ، قال أبو سليمان : السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه ، ولكن يحرك ما هو فيه ، فالترنم بالكلمات المسجعة الموزونة معتاد في مواضع ، لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار في القلب ، وهي سبعة مواضع الأول : غناء الحجيج : فإنهم أولا يدورون في البلاد بالطبل ، والشاهين ، والغناء ، وذلك مباح ، لأنها أشعار نظمت في وصف الكعبة ، والمقام ، والحطيم ، وزمزم ، وسائر المشاعر ووصف البادية وغيرها ، وأثر ذلك يهيج الشوق إلى حج بيت الله تعالى ، واشتعال نيرانه إن كان ثمّ شوق حاصل ، أو استثارة الشوق واجتلابه إن لم يكن حاصلا ، وإذا كان الحج قربة والشوق إليه محمودا كان التشويق إليه بكل ما يشوق محمودا ، وكما يجوز للواعظ أن ينظم كلامه في الوعظ ، ويزينه بالسجع ، ويشوق الناس إلى الحج ، بوصف البيت والمشاعر ووصف الثواب عليه ، جاز لغيره ذلك على نظم الشعر ، فإن الوزن إذا انضاف إلى السجع صار الكلام أوقع في القلب ، فإذا أضيف إليه صوت طيب ونغمات موزونة زاد وقعه ، فإن أضيف إليه الطبل والشاهين وحركات الإيقاع زاد التأثير وكل ذلك جائز ما لم يدخل فيه المزامير والأوتار التي هي من شعار الأشرار ، نعم : إن قصد به تشويق من لا يجوز له الخروج إلى الحج كالذي أسقط الفرض عن نفسه ولم يأذن له أبواه في الخروج فهذا يحرم عليه الخروج فيحرم تشويقه إلى الحج بالسماع وبكل كلام يشوق إلى الخروج ، فإن التشويق إلى الحرام حرام وكذلك إن كانت الطريق غير آمنة وكان الهلاك غالبا لم يجز تحريك القلوب ومعالجتها بالتشويق الثاني : ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو ، وذلك أيضا مباح ، كما للحاج ولكن ينبغي أن تخالف أشعارهم وطرق ألحانهم أشعار الحاج وطرق ألحانهم ، لأن استثارة داعية الغزو بالتشجيع وتحريك الغيظ والغضب فيه على الكفار ، وتحسين الشجاعة ، واستحقار النفس والمال بالإضافة إليه بالأشعار المشجعة مثل قول المتنبي فإن لا تمت تحت السيوف مكرما تمت وتقاس الذل غير مكرم وقوله أيضا يرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيم