الغزالي
148
إحياء علوم الدين
في الصبي في مهده ، فإنه يسكته الصوت الطيب عن بكائه ، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه ، والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرا يستخف معه الأحمال الثقيلة ، ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة ، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه ، فتراها إذا طالت عليها البوادي ، واعتراها الأعياء والكلال ، تحت المحامل والأحمال ، إذا سمعت منادى الحداء تمد أعناقها ، وتصغي إلى الحادي ، ناصبة آذانها ، وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها ، وربما تتلف أنفسها من شدة السير ، وثقل الحمل ، وهي لا تشعر به لنشاطها ، فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقى رضي الله عنه ، قال : كنت بالبادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب ، فأضافنى رجل منهم وأدخلني خباءه ، فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيدا بقيد ، ورأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت وقد بقي منها جمل وهو ناحل ذابل ، كأنه ينزع روحه ، فقال لي الغلام أنت ضيف ولك حق فتشفع في إلى مولاي ، فإنه مكرم لضيفه فلا يرد شفاعتك في هذا القدر ، فعساه يحل القيد عنى ، قال فلما أحضروا الطعام امتنعت ، وقلت لا آكل ما لم أشفع في هذا العبد فقال إن هذا العبد قد أفقرنى وأهلك جميع مالي ، فقلت ما ذا فعل ؟ فقال : إن له صوتا طيبا وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال فحملها أحمالا ثقالا ، وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة ، من طيب نغمته ، فلما حطت أحمالها ماتت كلها إلا هذا الجمل الواحد ، ولكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك ، قال فأحببت أن أسمع صوته فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقى الماء من بئر هناك ، فلما رفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ، ووقعت أنا على وجهي ، فما أظن أنى سمعت قط صوتا أطيب منه فإذا تأثير السماع في القلب محسوس ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية ، زائد في غلظ الطبع ، وكثافته على الجمال والطيور بل على جميع البهائم فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة ، ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته ، ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم ، بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص ، واختلاف طرق النغمات