الغزالي

143

إحياء علوم الدين

إلى كسر الدنان ، فحرم معها ما هو شعار أهل الشرب وهي الأوتار والمزامير فقط ، وكان تحريمها من قبل الاتباع ، كما حرمت الخلوة بالأجنبية لأنها مقدمة الجماع ، وحرم النظر إلى الفخذ لاتصاله بالسوأتين ، وحرم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعو إلى السكر ، وما من حرام إلا وله حريم يطيف به ، وحكم الحرمة ينسحب على حريمه ، ليكون حمى للحرام ووقاية له ، وحظارا مانعا حوله ، كما قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ لكلّ ملك حمى وإنّ حمى الله محارمه » فهي محرمة تبعا لتحريم الخمر لثلاث علل إحداها : أنها تدعو إلى شرب الخمر ، فإن اللذة الحاصلة بها إنّما تتم بالخمر ، ولمثل هذه العلة حرم قليل الخمر . الثانية : أنها في حق قريب العهد بشرب الخمر تذكر مجالس الأنس بالشرب ، فهي سبب الذكر ، والذكر سبب انبعاث الشوق ، وانبعاث الشوق إذا قوي فهو سبب الإقدام ولهذه العلة نهى عن الانتباذ [ 2 ] في المزفت ، والحنتم ، والنقير ، وهي الأواني التي كانت مخصوصة بها ، فمعنى هذا أن مشاهدة صورتها تذكرها ، وهذه العلة تفارق الأولى ، إذ ليس فيها اعتبار لذة في الذكر إذ لا لذة في رؤية القنينة وأواني الشرب ، لكن من حيث التذكر بها ، فإن كان السماع يذكر الشرب تذكيرا يشوق إلى الخمر عند من ألف ذلك مع الشرب فهو منهي عن السماع لخصوص هذه العلة فيه الثالثة : الاجتماع عليها لما أن صار من عادة أهل الفسق ، فيمنع من التشبه بهم لأن من تشبه بقوم فهو منهم ، وبهذه العلة نقول بترك السنة مهما صارت شعار الأهل البدعة ، خوفا من التشبه بهم ، وبهذه العلة يحرم ضرب الكوبة ، وهو طبل مستطيل دقيق الوسط واسع الطرفين ، وضربها عادة المخنثين ، ولولا ما فيه من التشبه لكان مثل طبل الحجيج والغزو ، وبهذه العلة نقول لو اجتمع جماعة وزينوا مجلسا ، وأحضروا آلات الشرب وأقداحه وصبوا فيها السكنجبين ، ونصبوا ساقيا يدور عليهم ويسقيهم ، فيأخذون من الساقي ويشربون ، ويحيي بعضهم بعضا بكلماتهم المعتادة بينهم حرم ذلك عليهم