الغزالي

144

إحياء علوم الدين

وإن كان المشروب مباحا في نفسه لأن في هذا تشبها بأهل الفساد ، بل لهذا ينهى عن لبس القباء وعن ترك الشعر على الرأس قزعا في بلاد صار القباء فيها من لباس أهل الفساد ولا ينهى عن ذلك فيما وراء النهر ، لاعتياد أهل الصلاح ذلك فيهم فبهذه المعاني حرم المزمار العراقي والأوتار كلها كالعود والصنج والرباب والبربط وغيرها وما عدا ذلك فليس في معناها كشاهين الرعاة ، والحجيج وشاهين الطبالين ، وكالطبل والقضيب وكل آلة يستخرج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يعتاده أهل الشرب ، لأن كل ذلك لا يتعلق بالخمر ، ولا يذكر بها ولا يشوق إليها ولا يوجب التشبه بأربابها فلم يكن في معناها فبقي على أصل الإباحة ، قياسا على أصوات الطيور وغيرها ، بل أقول سماع الأوتار ممن يضربها على غير وزن متناسب مستلذ حرام أيضا ، وبهذا يتبين أنه ليست العلة في تحريمها مجرد اللذة الطيبة بل القياس تحليل الطيبات كلها ، إلا ما في تحليله فساد قال الله تعالى * ( قُلْ من حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه ِ والطَّيِّباتِ من الرِّزْقِ ) * « 1 » فهذه الأصوات لا تحرم من حيث إنها أصوات موزونة ، وإنما تحرم بعارض آخر كما سيأتي في العوارض المحرمة الدرجة الثالثة : الموزون والمفهوم وهو الشعر ، وذلك لا يخرج إلا من حنجرة الإنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوما والكلام المفهوم غير حرام ، والصوت الطيب الموزون غير حرام ، فإذا لم يحرم الآحاد فمن أين يحرم المجموع ، نعم ينظر فيما يفهم منه ، فإن كان فيه أمر محظور حرم نثره ونظمه وحرم النطق به ، سواء كان بألحان أو لم يكن والحق فيه ما قاله الشافعي رحمه الله ، إذ قال : الشعر كلام ، فحسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، ومهما جاز إنشاد الشعر بغير صوت وألحان جاز إنشاده مع الألحان ، فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان ذلك المجموع مباحا ، ومهما انضم مباح لم يحرم إلا إذا تضمن المجموع محظور الا تتضمنه الآحاد ولا محظور هاهنا ، وكيف ينكر إنشاد الشعر وقد أنشد بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ]

--> « 1 » الأعراف : 22