الغزالي

122

إحياء علوم الدين

الثالث : صورة الإقامة وإن لم يعزم كما إذا أقام على موضع واحد ثلاثة أيام سوى يوم الدخول لم يكن له الترخص بعده وإن لم يعزم على الإقامة وكان له شغل وهو يتوقع كل يوم إنجازه ، ولكنه يتعوق عليه ويتأخر ، فله أن يترخص وإن طالت المدة على أقيس القولين لأنه منزعج بقلبه ومسافر عن الوطن بصورته ، ولا مبالاة بصورة الثبوت على موضع واحد مع انزعاج القلب ، ولا فرق بين أن يكون هذا الشغل قتالا أو غيره ، ولا بين أن تطول المدة أو تقصر ، ولا بين أن يتأخر الخروج لمطر لا يعلم بقاؤه ثلاثة أيام أو لغيره ، إذ ترخص رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] فقصر في بعض الغزوات ثمانية عشر يوما على موضع واحد ، وظاهر الأمر أنه لو تمادى القتال لتمادى ترخصه ، إذ لا معنى للتقدير بثمانية عشر يوما والظاهر أن قصره كان لكونه مسافرا لا لكونه غازيا مقاتلا هذا معنى القصر وأما معنى التطويل فهو أن يكون مرحلتين ، كل مرحلة ثمانية فراسخ ، وكل فرسخ ثلاثة أميال ، وكل ميل أربعة آلاف خطوة ، وكل خطوة ثلاثة أقدام . ومعنى المباح أن لا يكون عافا لوالديه هاربا منهما ، ولا هاربا من مالكه ، ولا تكون المرأة هاربة من زوجها ، ولا أن يكون من عليه الدين هاربا من المستحق مع اليسار ، ولا يكون متوجها في قطع طريق أو قتل إنسان أو طلب إدرار حرام من سلطان ظالم أو سعى بالفساد بين المسلمين وبالجملة فلا يسافر الإنسان إلا في غرض ، والغرض هو المحرك فإن كان تحصيل ذلك الغرض حراما ولولا ذلك الغرض لكان لا ينبعث لسفره فسفره معصية ، ولا يجوز فيه الترخص وأما الفسق في السفر بشرب الخمر وغيره فلا يمنع الرخصة ، بل كل سفر ينهى الشرع عنه فلا يعين عليه بالرخصة ، ولو كان له باعثان أحدهما مباح ، والآخر محظور ، وكان بحيث لو لم يكن الباعث له المحظور لكان المباح مستقلا بتحريكه ، ولكان لا محالة يسافر لأجله فله الترخص