الغزالي

104

إحياء علوم الدين

الأنس بذكر الله تعالى ، والأنس يحصل بدوام الذكر ، والمعرفة تحصل بدوام الفكر ومن لم يتعلم طريق الفكر والذكر لم يتمكن منهما والسفر هو المعين على التعلم في الابتداء ، والإقامة هي المعينة على العمل بالعلم في الانتهاء ، وأما السياحة في الأرض على الدوام فمن المشوشات للقلب إلا في حق الأقوياء ، فإن المسافر وماله لعلى قلق إلا ما وقى الله ، فلا يزال المسافر مشغول القلب ، تارة بالخوف على نفسه وماله ، وتارة بمفارقة ما ألفه واعتاده في إقامته ، وان لم يكن معه مال يخاف عليه فلا يخلو عن الطمع والاستشراف إلى الخلق ، فتارة يضعف قلبه بسبب الفقر ، وتارة يقوى باستحكام أسباب الطمع ثم الشغل بالحظ ، والترحال مشوش لجميع الأحوال فلا ينبغي أن يسافر المريد إلا في طلب علم ، أو مشاهدة شيخ يقتدى به في سيرته وتستفاد الرغبة في الخير من مشاهدته ، فإن اشتغل بنفسه واستبصر وانفتح له طريق الفكر أو العمل فالسكون أولى به ، إلا أن أكثر متصوفة هذه الأعصار ، لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ، ودقائق الأعمال ، ولم يحصل لهم أنس باللَّه تعالى ، وبذكره في الخلوة وكانوا بطالين غير محترفين ولا مشغولين ، قد ألفوا البطالة ، واستثقلوا العمل ، واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية ، واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد ، واستسخروا الخدم المنتصبين للقيام بخدمة القوم ، واستخفوا عقولهم وأديانهم ، من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة ، وانتشار الصيت ، واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللا بكثرة الأتباع ، فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ ، ولا تأديب للمريدين نافع ، ولا حجر عليهم قاهر ، فلبسوا المرقعات ، واتخذوا في الخانقاهات منتزهات ، وربما تلقفوا ألفاظا مزخرفة من أهل الطامات ، فينظرون إلى أنفسهم وقد تشبهوا بالقوم في خرقتهم ، وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم ، وفي آداب ظاهرة من سيرتهم ، فيظنون بأنفسهم خيرا ، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ويعتقدون أن كل سوداء تمرة ، ويتوهمون أن المشاركة في الظواهر توجب المساهمة في الحقائق ، وهيهات ، فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم ، فهؤلاء بغضاء الله ، فإن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ ، ولم يحملهم على السياحة إلا الشباب والفراغ إلا من سافر لحج أو عمرة في غير رياء ولا سمعة ، أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدى به في علمه وسيرته