الغزالي
105
إحياء علوم الدين
وقد خلت البلاد عنه الآن ، والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت ، إلا الصوف فإنه قد انمحق بالكلية وبطل ، لأن العلوم لم تندرس بعد ، والعالم وإن كان عالم سوء فإنما فساده في سيرته لا في علمه ، فيبقى عالما غير عامل بعلمه ، والعمل غير العلم وأما التصوف فهو عبارة عن تجرد القلب لله تعالى ، واستحقار ما سوى الله ، وحاصله يرجع إلى عمل القلب والجوارح ، ومهما فسد العمل فات الأصل ، وفي أسفار هؤلاء نظر للفقهاء ، من حيث إنه إتعاب للنفس بلا فائدة ، وقد يقال إن ذلك ممنوع ، ولكن الصواب عندنا أن نحكم بالإباحة فإن حظوظهم التفرج عن كرب البطالة بمشاهدة البلاد المختلفة ، وهذه الحظوظ وإن كانت خسيسة فنفوس المتحركين لهذه الحظوظ أيضا خسيسة ، ولا بأس بإتعاب حيوان خسيس لحظ خسيس يليق به ويعود إليه ، فهو المتأذي والمتلذذ ، والفتوى تقتضي تشتيت العوام في المباحات التي لا نفع فيها ولا ضرر ، فالسابحون في غير مهم في الدين والدنيا ، بل لمحض التفرج في البلاد ، كالبهائم المترددة في الصحاري ، فلا بأس بسياحتهم ما كفوا عن الناس شرهم ، ولم يلبسوا على الخلق حالهم ، وإنما عصيانهم في التلبيس والسؤال على اسم التصوف ، والأكل من الأوقاف التي وقفت على الصوفية ، لأن الصوفي عبارة عن رجل صالح ، عدل في دينه ، مع صفات أخر ، وراء الصلاح ، ومن أقل صفات أحوال هؤلاء ، أكلهم أموال السلاطين ، وأكل الحرام من الكبائر ، فلا تبقى معه العدالة والصلاح ولو تصور صوفي فاسق ، لتصور صوفي كافر ، وفقيه يهودي ، وكما أن الفقيه عبارة عن مسلم مخصوص ، فالصوفي عبارة عن عدل مخصوص لا يقتصر في دينه على القدر الذي يحصل به العدالة ، وكذلك من نظر إلى ظواهرهم ، ولم يعرف بواطنهم وأعطاهم من ماله على سبيل التقرب إلى الله تعالى ، حرم عليهم الأخذ وكان ما أكلوه سحتا ، وأعنى به إذا كان المعطى بحيث لو عرف بواطن أحوالهم ما أعطاهم ، فأخذ المال بإظهار التصوف من غير اتصاف بحقيقته كأخذه بإظهار نسب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على سبيل الدعوى ومن زعم أنه علوي وهو كاذب ، وأعطاه مسلم مالا لحبه أهل البيت ، ولو علم أنه كاذب